Make your own free website on Tripod.com

 أهمية اللغة لإنسان - د. صادق عبد اللة أبو سليمان

 

  اللغة - أية لغة - علامات يُهتدى بها، فهي هبة الله للبشر ، وأعز نعمة منحهالهم، فقد ميزهم بها عن غيرهم من دواب الأرض، قال تعالى: " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين". (1 )

 

   إن اللغة رابطة  من أهم الروابط الإجتماعية، تصل الفرد بغيره تفاهماً إنسانياً ووسيلة عظيمة تعينه على تحقيق إحتياجاته، فهي - منطوقة مسموعة أو منقوشة مكتوبة - رموز بيانية توصيلية رائعة تفوقغيرها من وسائل البيان، وهي مرتبطة بالعقل الإنساني يمدها بعناصر الحياة والتمايز؛ لأنها  أداته المؤتمرة بأمره، المعبرة عن طاقاته، وإن الإنسان لا يستطيع أن يعبر عما يدور في خلده من فكر أو مضمون ما لم يجد اللغة الدالة عليه إفصاحا، وكذلك لا يستطيع إنتاج اللغة - وسيلته التعبيرية- ما لم يكن هناك فكر أو مضمون في ذهنه يحتاج إلى إبانة، فإذا كان الفكر هو مصدر اللغة فإن اللغة هي وعاء الفكر ووسيلته الأولى إلى الظهور والذيوع، وتحقيق أهدافه التي صدر لأجلها، وعلى هذا فإن العلاقة بينهما تعادلية إرتباطية، وجود أحدهما يستدعي وجود الآخر.

 

   ولما كانت اللغة على هذا النحو من الأهمية: وسيلة إنسانية أولى في التعبير والتوصيل عن الفكر أو المضمون، أو بلسان علماء اللغة العرب، عبّر عنهم عالم اللغة ابن جني " أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "؛ فقد وجدنا شعوب الأرض كافة تعنى باللغة، وتسعى إلى فهم طبيعتها والحفاظ على خصائصها، محاربة الخروج عليها أو التخلي عنها، فتتخذ الوسائل الواقية لحمايتها؛ لأنها تمثل الهوية المميزة التي ينبغي للخلف أن يرثها عن سلفه، أيّاً كانت الأحوال!.

 

   وإذا كان الأمر كذلك فليس غريباً أن أقول: إن التمسك باللغة يشكل فطرة إنسانية لا ترتبط بلون أو جنس، ولا بجهالة أو علم، فهو من الخصائص التي لا تمايز فيها بين بني البشر في مختلف مواطنهم؛ وقد تحادثت وبعضاً  من الهنود الحمر في أمريكا عن توقعي لإنقراض لغتهم وبالتالي ذوبانهم في يوم ما، مبرراً ذلك بقلة عددهم، وضعف إمكاناتهم ، واختلاطهم بالكثرة من حولهم: تملك العلم والسيطرة، ورغم إحساسي باقتناع من حدثت بما سمع؛ لأنه يحياه واقعاً عبر عنه زعيمهم لساناً ممتعظاً من بني جلدته: يهجرون الموطن الأصل بحثاً عن الدعة والحضارة، وكان رده الذي حمل في طياته التصميم على الحفاظ على هويته اللسانية، أيّاً كانت الظروف، ولو أدت إلى نشرها لغة ثانية، إنها تجربة - كما حدّث مازحاً - خاضها اختباراً في الجامعة، حيث اختارها اللغة الثانية يمتحن فيها بعد لغة الكثرة الغالبة الأولى!.

 

   والعرب أمة ضاربة جذورها في القدامة، وعنايتهم بلغتهم واعتزازهم بها، وبمن ملك قصب السبق فيها فطرة متأصلة معروفة دلائلها فيهم؛ فقد وجدناهم بحثاً عن نقاء اللغة وفصاحتها يرسلون أطفالهم ليرضعوا الفصاحة العربية من أثداء البدويات في عمق الفيافي، ووجدناهم يقيمون الأعراس والولائم للنابغين فيها بلاغة شعرية أو خطابية.

 

   وكثيرة  هي المواقف التي كشفت عن اعتزاز العربي بلغته، وإدراكه لما لها من أثر فعال في النفوس إن سلماً وإن حرباً، فعلى مر عصور العرب وجدنا  الأديب العربي لسان حال قومه ورسولهم المسجل لفضائلهم، المذيع لأخبارهم، المتغني بمفاخرهم.

 

   وما خبر إدراك تأثير الكلمة في عصرنا  إلا واضح جلي فيما نشهده في الحرب الإعلامية بين الدول، والدعايات التجارية ترويجاً لبضاعة ما، وانظر موقف طائفة من البرلمانيين الإسرائيليين إزاء إدخال بعض قصائد محمود درويش في المقررات الدراسية الإسرائيلية.

_______________________

(1 ) الروم: الآية 22

   إن اللغة وسيلة مهمة للأمة في سلمها وحربها، وهي عنصر مهم في إحداث التآلف وتقوية الروابط بين المتحدثين بها، فمتى اجتمعت جماعة على لغة واحدة فقد ضمنت لنفسها أهم عناصر التقارب والتآلف والترابط في كثير من الأمور ؛ الأمر الذي تنبهت له الدول المستعمرة سلبا؛ فقد وجدناها في كثير من البلدان التي افترستها تعمل على محو لغة أهلها، وإحلال لغتها محلها بوسائل الإغراء المختلفة؛ لأنها تدرك أن هدم اللغة يشكل تفتيتاً لأهم عناصر قوتهم، وهدمها لأهم مقوماتهم في التوحد والبقاء المتمايز واستمراريته، حيث ربط الماضي بالحاضر، واستشراف المستقبل على أساس منه؛ لذا فقد وجدنا الشعوب النغلوبة ينبه قادتها ومفكروها ومثقفوها وأدباؤها على ضرورة محاربة هذه المآرب الإستعمارية الهدامة، وينصون بالوسائل الإعلامية المتاحة لهم على أن التمسك بلغة البلاد الأصلية والمحافظة عليها من أهم عناصر بناء الذات المتميزة وتوطيد إستقلالها.

 

   وليس أدلّ على أهمية اللغة - اي لغة - من عناية العلماء في مختلف تخصصاتهم الإنسانية والعلمية بها، فكل منهم يعنى بالخطاب اللغوي الذي يصوغ به مضمون علمه، ويهمنا في هذا المقام أن نشير إلى علماء التربية ورأيهم في ضرورة العناية باللغة، وأن العناية بها - كما يقولون - لا ينبغي أن تكون مهمة مدرس اللغة وحده، فكل المقررات في رأيهم ينبغي أن تكون مجالاً خصباً لتطبيق اللغة والتمرين على استعمالها، فاللغة محاكاة ومطلبها الإستعمال.

 

   وفيما نرى فإن النجاح فيهما لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم التناسق بين المنتج والمستقبل، فعلى المنتج أن يبحث عن اللغة التي يستطيع من خلالها  أن يصل  إلى مستقبله: وهي اللغة التي ينبغي لها أن تتوافق ومستواه التحصيلي، دون إخلال بالسلامة اللغوية أو هدر لمحتوى المضمون أو خصائصه، وعلى المستقبل أن يصون رسالة المنتج؛ فإذا ما أدّى دوره حاكاه بأمانة واقتدار ، فاللغة تحييها الحياة، ولا تحيا إلا في الحياة ، فلا لغة بدون حياة، وحياة الحياة لغة، وحياة اللغة حياة، وكل يؤدي دوره في الآخر.

 

ضرورة العناية بلغة الطفل:

 

   وإذا كانت لغة المجتمع أمراً جديراً بالعناية، فإن الإهتمام بلغة الطفل (2 )واختصاصها بالعناية درساً، والرعاية تطبيقاً من الأمور الأوجب؛ ولعل أهم ما يدفع إلى تعهد هذا المجال الحيوي بالعناية أن المكتبة اللغوية العربية ما تزال تفتقر إلى مباحث وأعمال متخصصة في دراسة مجالات لغة الطفل، فتتحدث عن خصائصها ومتنها وكيفية تنميتها ووسائل تحصيلها، فأكثر ما كتب فيها لا يتخطى حدود علماء التربية وعلماء النفس، أما جهود اللغويين العرب في التعرف على لغة الطفل العربي فنادرة، وانحصرت في بعض المحدثين الذين تأثروا بعلماء النفس والتربية؛ وإذا كان المجال العربي القديم في هذا المجال الخصب يكاد يكون معدوماً فإن ما نستغربه في هذا المقام هو أن المقام هو أن بداية التفكير في وضع النحو العربي كان مرجعه - فيما ترويه بعض الروايات التي ذكرت في توضيح أسباب وضعه - إلى خطأ ابنة أبي الأسود الدؤلي (ت.69 هـ ) أو غيرها ممن في سنها أو مثله في تشكيل جملة تفوهت بها في حضرته، تقول الرواية "إن ابنة أبي الأسود الدؤلي قالت له: يا أبت ما أشد الحر؟ في يوم شديد الحر، فقال لها: إذا كانت الصقعاء من فوقك، والرمضاء (3 )من تحتك، فقالت: إنما أردت أن الحرّ شديد، فقال لها: فقولي إذن ما أشدّ الحرّ! " (4 )، وفي رواية أخرى أنها قالت له: " ما أحسن السماء؟ قال: أي بنية، نجومها، فقالت: إني لم أرد أي شيء منها أحسن؟ وإنما تعجبت من حسنها؛ فقال: إذن فقولي: ما أحسن السماء!" (5 ).

___________________

(2 ) إن الطفل الذي نعنيه في هذه الدراسة هو الطفل العادي السليم عقلاً وسمعاً ونطقاً، أما الأطفال الذين يعانون من مشكلات في الكلام أو النمو بصفة عامة فلهم ظروفهم الخاصة، ويحتاجون إلى عناية الطبيب ومختص أمراض الكلام، فضلاً عن قلة عددهم.

(3 ) الصقعاء: الشمس،والرمضاء: الرمل شديد الحرارة.

(4 ) أخبار النحويين البصريين: ص19 + طبقات النحويين واللغويين ص21 + إنباه الرواة على أنباه النجاة:ج1 / ص16

(5 ) أخبار النحويين البصريين: ص19 + نزهة الأباء في طبقات الأدباء: ص21 + إنباه الرواة على أنباه النحاة:ج1 / ص16

   ومما يؤيد رأينا في أن انحراف لغة الطفل عن نظام العربية المألوف لفت أنظار أسلافنا فتحسسوا وسائل العلاج ما جاء عن زياد ابن أبيه حين سأل أبا الأسود الدؤلي أن يصنع شيئاً يقي أولاده من اللحن، قال:"إن بني يلحنون في القرآن، فلو رسمت لهم رسماً "(6 )وقال: " إن الظئر(7 ) والحشم قد أفسدوا ألسنتهم، فلو وضعت لهم كلاماً" (8 )

 

   وفي رواية رد فساد لغة العرب بصفة عامة إلى اختلاطهم بالأعاجم، قال: " يا أبا الأسود الدؤلي، إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من أسن العرب، فلو وضعت لهم شيئاً يصلح به الناس، ويعرب به كتاب اللّه"(9 ).

 

   إن مطلبنا في هذه المقالة اللغوية يتلخص في توجيه نظر الدارسين ولا سيما علماء اللغة إلى ضرورة العناية بلغة الطفل العربي؛ فيتقدموا فيها الدراسات المتخصصة التي تبحث في هذه اللغة، وتبين خصائصها، واحتياجات الطفل منها، وتحصيله لها، وكيفية تكوين قاموسه اللغوي وإثرائه بما يتناسب ومراحل نموه وقدراته الفكرية في كل منها؛ وفق أسس علمية مدروسة تقوم على التسلسل المنهجي المنتظم.

 

   إن النجاح في حل مشكلات اللغة طريقة العناية بلغة النشء، ولكي نحافظ على سلامة اللغة وننشىء، ولكي نحافظ على سلامة اللغة وننشىء الطفل تنشئة لغوية سليمة فإني أدعو إلى أمرين:

   الأول - تهيئة البيئة اللغوية السليمة: فيها يتكلم المعلم اللغة الفصحى في المدرسة: فنائها وقاعات تدريسها ، وفيها يتدرب الطفل على الإلقاء والتعبير الفصيحين في ظل المراقبة اللغوية الواعية؛ فاللغة هي أصوات: والصوت يؤديه اللسان وتسمعه الآذان، فإذا كان نطقه سليماً كانت إعادة إنتاجه تغذية راجعة  - في الأغلب - سليمة.

 

   والآخر - أيجاد قاموس الطفل اللغوي الموافق لمستواه؛ الأمر الذي سيشكل مدداً للغة الطفل وإثرائها، وفي هذا المقام ندعو إلى إيجاد معجم لغوي لكل صف في المرحلة الدراسية، ولنبدأ من الصف الأول الإبتدائي، وأن نراعي في كل معجم صفي نمو الطفل العقلي ومتطلبات جذبه؛ فالطفل في سنيه الدراسية الأولى يحتاج إلى الصورة والرسم واللون وسائل أيضاحية تسهم في إكسابه قراءة اللغة وكتابتها.

   إن المعجم الصفي سيكون وسيلة النشىء في تحصيل مفردات لغته الحياتية ومصطلحات العلوم المختلفة، فينبغي أن تحتوي مادة هذا المعجم على مفردات المقررات الدراسية ومصطلحاتها التي تمر بالنشىء في أثناء دراسته في كل صف، وأن يراعى في متن المعجم الصفي التالي التخفف من متن سابقه وهلمّ جرا؛ وهذا يعني أن متن المعجم الصفي التالي سيتأنف مما هو جديد في لغة مقررات الصف الخاص به.

 

   إن إعداد هذا المعجم الصفي سيكون مفيداً للطفل حيث يمكنه من خلاله الإطلاع على مفردات لغته ومصطلحات علومه بلغة سليمة وأسلوب يناسبه، وإذا كانوا قديماً يقولون لا يحيط باللغة إلا نبي فإن المعجم وهو خزانة اللغة، أراه يمثل دور النبي في جمع اللغة والحفاظ على سلامة متنها.

   وكذلك فأن إعداد هذا النوع من المعجمات الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربية سيكون مفيداً أيضاً للكبار ؛ فهم يؤلفون للصغار، وما لا شك فيه أن لغة هؤلاء الكبار الموافقة لمستوياتهم الفكرية تختلف عن لغة الصغار ومستوياتهم الفكرية؛ لذا فإن مثل هذا المعجم سيعين مؤلفي الأطفال على الحصول على المفردات التي يفهمها الطفل وتلائم مستواه، وبذلك يستطيع الكبار أن يقدموا للأطفال ما يريدون تقديمه لهم من معلومات وتجارب بلغة يفهمونها.

_____________________________

(6 ) إنباه الرواة على أنباه النحاة:ج1 / ص 16

(7) الظئر:المرضع،وهو يقصد أن المرضعات من الموالي قد أفسدت ألسنة الأطفال الذين أرضعتهم

(8 ) إنباه الرواة على أنباه النحاة:ج1 / ص16

(9 ) نزهة الألباء في طبقات الأدباء:ص20، وانظر هذا المضمون في:السابق ص21 +أخبار النحويين البصريين: ص17 + طبقات النحويين اللغويين: ص22 +   

      إنباه  الرواة: ج1 / ص16   

 

 

   إن النجاح في إعداد هذا المعجم سينتج عنه النجاح في إيجاد لغة تواصل مشتركة بين المؤلف الكبير والقارىء الصغير، أو بتعبير آخر بين المرسل الكبير والمستقبل الصغير؛ فما يزال مؤلفو كتب الأطفال يعتمدون على قدراتهم الذاتية في اختيار مفردات اللغة وتراكيبها التي يؤلفون للطفل بها، الأمر الذي قد ينجحون فيه أو لا، وإن عدم النجاح في اختيار لغة التأليف المناسبة للطفل سيترك آثاراً ضارة على استيعابه، وسيشكل عنده عقدة استصعاب اللغة.

 

   وإذا كنت في مقام آخر قد قدمت الأسباب الموجبة لإنشاء مركز لغوي تطبيقي فلسطيني للعناية بشؤون اللغة في فلسطين(10 )، فإن إعداد خطة هذا المعجم قد يكون من مهام هذا المركز، كما إن على الجامعات وأساتذتها تقديم الدراسات في لغة الطفل، والمشاركة في إعداد المعجمات الصفية، فتوجه طلبة الدراسات العليا في كليات التربية وفي تخصصاتهم المختلفة إلى دراسة لغة المقررات في كل صف على حدة تحت إشراف الأساتذة المتخصصين في التخصص واللغة.

 

   وأخيراً وبصفة عامة أقول: إن هذا المؤتمر وأمثاله ينبغي أن يكون منطلقاً لعنايتنا بأطفالنا وتشكيلهم تشكيلاً عماده التأسيس الواعي والإطلاع والمعرفة في ظل انتشار التعليم وانحسار الأمية، وفي الطرف البعيد في ظل تنوع مصادر القراءة علينا أن نحقق لأطفالنا الجو المناسب لبيئتنا العربية، دون أن نحرمهم من الإستفادة من هذا الثراء في الوسائل العلمية المتطورة؛ فعالمنا اليوم يتميز بالإنفجار المعرفي السريع في تتابعه وتغيره، وإن التعليم الرسمي بمناهجه الثابتة البعيدة فترات تطويرها عاجز عن ملاحقته، مإن المعادل الموضوعي لهذا كله هو العناية بأطفالنا وتنمية إقدامهم على الإطلاع الحر، فالتثقيف الذاتي الواعي ينبغي أن توجه أنظار أبنائنا إليه.  

 

_______________________________

(10 )  انظر: "نحو إقامة مركز لغوي تطبيقي في فلسطين،رسالة ومنهج:المنبر - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية،شوال 1419 هـ فبراير 1999 م،ع.

        11 / ص 61 - 66 .