Make your own free website on Tripod.com

تطور ادب الاطفال العالمي - رافع يحيى

 

          إن أدب الأطفال على الرغم من قدمه لم يحظ بالتدوين والدراسة كأدب الكبار. ومعظم الحضارات والأمم القديمة لم تهتم بتسجيل حياة الطفولة عندها، أو آداب أطفالها لذاتها، وما وصلنا هو قليل نادر وكان متصلاً بعمل من أعمال الكبار(1).

          ويرى علي الحديدي أن أدب الأطفال خلال مسيرة تطوره مر بثلاثة أطوار رئيسية(2). أما الطور الأول فيبدأ عام 1697 بصدور أول كتاب أدبي خاص بالأطفال كتبه شاعر فرنسا "تشارلز بيرو"

(Charles Perot )بعنوان حكايات أمي الأوزة، وتضمن هذا الكتاب حكايات شعبية، وقد صدر تحت إسم مستعار وهو اسم ابنه الصغير "بيرو دار مانكور"، وقد أثارت هذه المجموعة في فرنسا والبلاد الأوروبية الأخرى، بعد أن ترجمت إلى لغاتها، حركة أدبية نشطة، دفعت الأدباء إلى البحث والتنقيب في الآداب الشعبية الأوروبية وإلى الإهتمام بحكايات الأطفال. ومن ناحية أخرى اجتاحت حكايات ألف ليلة وليلة  اوروبا بعد أن ترجمها انطوان جالان (Antoine Galan) بين الأعوام(1704-1714)، فتأثرت بها قصص الأطفال تأثراً كبيراً، وبعد عامي(1747-1749) ظهرت في فرنسا أول صحيفة للأطفال وهي صحيفة صديق الأطفال وكان هذا أيضاً اسم محرر الصحيفة المستعار.

          وفي انجلترا لم تكن كتب الأطفال في القرنين السابع عشر والثامن عشر تضع اهتمامات الأطفال موضع الإعتبار بل كان هدفها تقديم النصح والإرشاد. وأدب الأطفال الحقيقي بدأ عندما قدم  "جون نيوبري" ( John Neubury)بمساعدة عدد من المختصين أدباً شيقاً ومفيداً للأطفال فاختصر روبنسون كروزو ورحلات جوليفر لتناسب الصغار.(3) وفي عام 1865 ظهرت في إنجلترا أشهر مجموعة قصصية كتبت للأطفال وهي أليس في بلاد العجائب للكاتب "لويس كارول"(Lewis Carroll). وفي ألمانيا ظلت الحكاية الخرافية تكتب للكبار حتى جاء الأخوان "يعقوب ووليم جريم"(Jacob-Wilhalm Grimm) فأصدرا كتاباً بعنوان حكاية الأطفال والبيوت، وجاء في جزئين صدرا في الأعوام(1812-1814). وفي الدنمارك ظهر رائد أدب الأطفال في اوروبا "هانز كريستيان اندرسون"(Andersen) (1805-1875). أما في روسيا فقد شد عالم الأطفال الشاعر "بوشكين"(Pushkin) (1799-1837) الذي كتب للأطفال أشعاراً تناسب أفكارهم وسنهم، و"تولستوي"(Tolstoy) (1828-1910) الذي كتب الكثير من القصص للأطفال.

          أما الطور الثاني في مسيرة تاريخ أدب الأطفال فظهر بعد الحرب العالمية الأولى، وقد رافق هذه المرحلة الدراسات المنهجية حول"علم نفس الطفل"، كما برز الإهتمام بالطفل كإنسان مستقل، وبدأ الإهتمام بالطفولة على كافة المستويات ولدى جميع الهيئات.

          وبعد الحرب العالمية الثانية بدأ الطور الثالث في مسيرة أدب الأطفال العالمية وانطلق أدب الأطفال إلى عصره الذهبي في العالم المتقدم، ففي أمريكيا مثلاً تنوعت أشكال التعبير ووسائله من كتب وصحف ومجلات ومسرحيات ومكتبات عامة...وزاد عدد الناشرين للأطفال في معظم دول العالم، وأدرج أدب الأطفال ضمن مناهج الدراسة في المعاهد العليا وبدأت ترافقه حركات نقدية تدرسه وتحدد ملامحه وقواعده وإتجاهاته.

          وقد أزدهر أدب الأطفال بعد الحرب العالمية الثانية بسبب الحاجة إلى إقامة ثقافة للأطفال في بلدان المنظومة الاشتراكية وبعض دول اوروبا وأمريكيا اللاتينية. وكان الهدف الأساسي من وراء ذلك كله هو الاتجاه العام لبناء ورعاية جيل ما بعد الحرب، والتركيز على  تربيته من جديد وفق منظور علمي قادر على تنمية الدافع الإنساني في سلوكه(4).

          أما "اورئيل اوفك" فيقسم تطور أدب الأطفال إلى خمسة أطوار:(5)

 أ. الفترة القديمة: وتضم هذه الفترة النصوص التي كتبت في الحضارات القديمة، والتي تتلاءم مع أدب الأطفال في أيامنا. وقد وجدت على أوراق البردى الكثير من هذه النصوص المتبقية منذ زمن الحضارة القديمة.

ب. العصور الوسطى: في هذه الفترة قام رهبان الأديرة بجمع القصص القديمة من أماكن بعيدة وحافظوا عليها، وبواسطتهم تم نشر هذه القصص- التي ضمت أيضاً قصصاً للأطفال. وإلى جانب ما قام به الرهبان لوحظ اهتمام بالقصص الشعري في هذه الفترة.

ج. عصر الطباعة: وتبدأ هذه الفترة بعد منتصف القرن الخامس عشر. أي بعد اختراع الطباعة، حيث بدأت في اوروبا طباعة كتب تضم قصصا شعبية، وفي سنة1550 صدرت في إنجلترا الكتب الأولى المطبوعة المخصصة للأطفال، وسميت هذه الكتب "Horn Books" ولم تتخذ الكتب في تلك الأيام شكل وإخراج الكتاب في أيامنا، بل كانت هذه الكتب عبارة عن صفحة مطبوعة عليها الكلمات من جهة واحدة.وبعد ذلك بدأت كتب الأطفال تتخذ شكل الكراريس المتعارف عليها في أيامنا. وفي القرن السابع عشر ظهر كتاب أمي الأوزة لمؤلفه "شارل بيرو"(Charles Perot) (1628-1703)، وهي المجموعة الأولى التي احتوت أساطير كتبت خصيصاً للأطفال، وقد احتوى الكتاب على ثمانية أساطير منها سندريلا، القط ابو جزمه، وليلى الحمراء. وفي القرن الثامن عشر برز "الأخوان جريم"، و"هانز كريستان أندرسون"، ككتاب أطفال معروفين.

د. ألعصر التعليمي: وتبدأ هذه الفترة مع صدور كتاب اميل "لروسو"(1762) حيث شدد على أهمية التعامل مع الأطفال حسب أجيالهم. وتتميز هذه الفترة بصدور المواد العلمية والتثقيفية والموسوعات الخاصة بالأطفال، وفي منتصف القرن الثامن عشر نجد إهتماماً لدى كتاب أدب الأطفال بعنصري التشويق والمتعة، ورائد هذا الاتجاه "جون نيوبري"(John Neubury) (1713-1767).

هـ. العصر الحديث(الذهبي): بدأ هذا العصر في منتصف القرن التاسع عشر مع صدور كتاب أليس في بلاد العجائب لمؤلفه لويس كارول(Lewis Carroll) ، وقد صدر بعد هذا الكتاب الكثير من الكتب للأطفال وبدأت إتجاهات متعددة في الكتابة للأطفال.

          ومن الجدير ذكره أنه لما كان أدب الأطفال لا يزال ناشئاً وليداً في الأمم الغربية فقد استعان كثير من مؤلفي قصص الأطفال بما في ألف ليلة وليلة من عناصر شيقة للأطفال ومن هؤلاء المؤلفين هانز أندرسون(Andersen)، كما وأصبحت قصص ألف ليلة وليلة جزءاً من ثقافة الأطفال في اوروبا بعد ظهور تراجم ألف ليلة وليلة.(6) فقد زودت الليالي أدب الأطفال العالمي بمصادر وحي جديدة وكان تأثيرها على هذا الأدب شاسعاً، وأصبح السندباد، وعلي بابا، وعلاء الدين، والبساط السحري والأميرات والأمراء، والحصان الطائر، والخوارق، رموزاً تسبح في فضاء أدب الأطفال العالمي، ولها مكانة خاصة في عالم الأطفال. ومن بواكير المجموعات القصصية التي تأثرت بألف ليلة وليلة واستوحت الكثير منها مجموعة "دار لاروس" المعروفة تحت اسم "مؤلفات الناشئة" التي تشمل على فئتين من الكتب: "كتب الناشئة الزرقاء" و" كتب الناشئة الوردية" واحتوت هاتين المجموعتين على حكايات من الليالي وهي جميعها عبارة عن تهذيب واقتباس للحكايات ترجمها "جالان"(Galan) "وماردروس"(Mardross) وتم إعدادها بصورة تلائم الأطفال(7)، وإن القصص والحكايات العالمية التي اقتبست واستوحيت من ألف ليلة وليلة أكثر من أن تحصى وما زال هذا التأثير مستمراً حتى يومنا هذا، فسحر الليالي لم ينطفىء بعد وامتد إلى السينما والتلفزيون فنجد حكايات الليالي تعرض كأفلام وصور متحركة للأطفال في محطات البث العربية والأجنبية.

 

 

 

 

3. تطور أدب الأطفال العربي

          إذا عدنا إلى التراث العربي الإسلامي سنجد الواناً كثيرة من أدب الأطفال، وتذكر المصادر التاريخية والأدبية عدداً كبيراً من الأشعار في الجاهلية والإسلام، التي تعد من الأناشيد أو الأشعار والأغاني الخاصة بالأطفال، كما أن التراث غني بالنصوص النثرية التي تناسب الأطفال شريطة أن نخضعها لظروف عصرها وطبيعتة وقيمتة وعاداته.(8)

          وإذا كان الأدب العربي في العصور السابقة لم يعرف فناً أدبياً ناضجاً خاصاً بالأطفال فلا ينفرد بذلك وحده، فقد ميز هذا النقص آداب الأمم الأخرى، ولكننا نعثر في الأدب العربي على بعض المؤشرات الايجابية التي انفرد بها الأدب العربي عن غيره وتميزها(9):

 1.  الاهتمام المبكر بالتربية الشاملة للأطفال روحياً وجسدياً منذ مجيء الإسلام(10).

 2.  وجود أرضية تراثية خصبة تضمنها التراث الأدبي الواسع.

          وقد خلص البعض إلى أن أدب الأطفال  العربي قديم وبعضه مشمول في أدب الكبار(11)، وإن بعض القدماء وضعوا كتباً للأطفال ونصوا في المقدمة على ذلك، وإن عبارة"أدب الأطفال" عبارة قديمة. والأذرعي المولود سنة750هـ- 1349م كان ملماً بأدب الأطفال أي قبل أدب الأطفال الأوروبي ب135سنة(12) ويختلف الباحثون حول هوية أول كتاب عربي فهناك من يرى أن أول كتاب أطفال عربي حديث هو النفثاث لرزق الله حسون من حلب، وكان صدوره سنة1867(13). أما أحمد نجيب فقد خلص إلى أن قصة القطيطات العزاز لمحمد حمدي وجورج روب التي نشرتها دار المعارف سنة1912 هي أول كتاب أطفال عربي، وأن ما سبقه من كتب لا تتحلى بالصفات المطلوبة في كتاب الطفل، رغم توجه أصحابها بها إلى الطفل العربي(14) بينما يرى عبد التواب يوسف أن أقدم قصة عربية هي الأسد والغواص.(15)

          وأدب الأطفال في العالم العربي حديث، وإن كانت جذوره تمتد إلى مصر القديمة(16)، وجذوره الحديثة أيضاً تمتد إلى مصر الحديثة، حيث حملت مصر مشاعل الريادة لهذا الفن في الأدب الحديث. ففي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بين أعوام(1849-1854) أتم محمد عثمان جلال(1828-1898) ترجمة معظم الحكايات الشعرية الخرافية الغربية إلى العربية نقلاً عن الشاعر الفرنسي لاقونتين(17). وقد أطلق محمد عثمان جلال على كتابه المترجم: العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ. ويعتبر إصدار مجلة روضة المدارس المصرية في عام 1870 ونشرها المواد الأدبية للطلاب والكتاب مرحلة غير مسبوقة في نشر الكتابات الأدبية للناشئين.(18)

          ويرى بعض الدارسين الذين تناولوا تأريخ أدب الأطفال بعام1875 كبداية لنشأة أدب الطفل في الأدب العربي الحديث، ودليلهم إصدار رفاعة الطهطاوي لكتابه المرشد الأمين في تربية البنات والبنين في تلك السنة.(19) ومن قصصه المترجمة حكايات الأطفال، وعقلة الإصبع وقد أدخل الطهطاوي قراءة القصص في المنهج المدرسي.

          وفي العصر الحديث، كان للأدب العربي دور بارز في ميدان القصة فقد أنجز بعض الشعراء الرواد، أمثال"أحمد شوقي" شعراً قصصياً عظيماً للأطفال معبرين عن ميول هذا السن المبكر ورغباته، فجاءت أشعارهم التي تحكي قصصاً وروايات على لسان الحيوان والطير "وكان شوقي بأغنياته وقصصه الشعرية التي كتبها على ألسنة الطير والحيوان للصغار رائداً لأدب الأطفال في اللغة العربية وأول من كتب للأحداث العرب أدباً يستمتعون به ويتذوقونه".(20)

          وعندما أصدر الشاعر أحمد شوقي ديوان الشوقيات عام1898 دعى الشعراء في مقدمة الديوان للكتابة للأطفال. وقد تأثر شوقي بأسلوب "لاقونتين"(Lafontaine) كما جاء في مقدمة الديوان وقد تضمنت الشوقيات عدداً من الحكايات الشعرية على ألسنة الحيوان ويعتبر أحمد شوقي بذلك رائداً لأدب الأطفال في اللغة العربية(21).

          ويقول شوقي عن الحكايات والأغنيات التي قدمها للأطفال في الوطن العربي كتجربة شعرية رائدةٍ.."وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب "لافونتين"(Lafontaine) الشهيرة، فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث اجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئاً منها فيفهمونه لأول وهلة، ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره. وأنا استبشر لذلك، وأتمنى لو وفقني الله لأجعل للأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المستحدثة، منظومات قريبة المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم.."(22)

          إن" القصص التي كتبها شوقي للأطفال تهدينا إلى الحكم بأن الشاعر كان يدرك أن "أدب الأطفال" أقوى سبيل يعرف به الصغار الحياة بأبعادها المختلفة، وأنه وسيلة من وسائل التعليم والتسلية، وأسلوب يكتشف به الطفل مواطن الخطأ والصواب في المجتمع، ويوفقه على حقيقة ما في الحياة من خير وشر".(23)

          والقصة على لسان الحيوان، ليست جديدة على الشعر العربي، فالكل يعرف أن كتاب "كليلة ودمنة" ترجم إلى العربية قبل أن يترجم إلى اللغات الأوروبية، وأن الأديب الفرنسي "لافونتين"(Lafontaine)  قد برع وبرز في قصصه التي اقتبسها عن "كليلة ودمنة"، والتي جعلت من "لافونتين"(Lafontaine)  صاحب فضل على الشعراء العرب، أمثال أحمد شوقي، عندما قلدوه في هذا الفن، ونجحوا في تقديم القصص والحكايات التي لا تقل جودة عن قصص وحكايات لافونتين(Lafontaine).(24)

يمكن القول أن من خطا الخطوات الأولى في مجال أدب الأطفال محمد عثمان جلال ثم إبراهيم العرب، وأحمد شوقي وثلاثتهم شعراء، وتبع شوقي محمد الهراوي الذي نظم الأناشيد والأغاني للأطفال(25) وفي مجال الكتابة النثرية ألف علي فكري عام 1903 كتابه مسامرات البنات وكما وضع عام 1916 كتاباً آخر للبنين سماه النصح المبين في محفوظات البنين(26) والمحاولات المذكورة سابقاً كانت محفزاً للكثيرين ليتابعوا الطريق، أمثال: عمران الجمل وفرج الجمل، وحسن توفيق، ونعمة إبراهيم، وتوفيق بكر، ومحمد عبد المطلب، وقد غلب على كتبهم الطابع التعليمي(27). وتلا جيل الرواد جيل برز في الثلث الثاني من القرن العشرين أمثال: عمر فروج، وحبوبه حداد، وروز غريب في لبنان. وعبد الكريم الحيدري، ونصر سعيد في سوريا، وبعضهم تجاوزت شهرته حدود بلاده مثل الكتاب المصريين كامل كيلاني، محمد سعيد العريان وعطية الأبراشي، وإبراهيم عزوز، وأحمد نجيب وغيرهم(28) وقد تميزت كتابات هذه المرحلة بالإقتباس والنقل من اللغات الأجنبية أو التبسيط لكتب العرب القدامى يضاف إلى ذلك عدم اهتمام أصحابها بالطفولة في مراحلها الأولى، وحاول مؤلفو هذه المرحلة إحياء التراث العربي فلجأوا إلى ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، والحكايات الشعبية ليزودوا  الأطفال بأمتع القصص من هذا التراث.(29) ويعتبر كامل الكيلاني(30) من أبرز كتاب هذه المرحلة للأطفال ويعتبر الرائد الفعلي والحقيقي لأدب الأطفال في اللغة العربية وقد كتب الكيلاني أكثر من مائتي قصة ومسرحية للأطفال، وكانت أول قصة هي السندباد البحري التي كتبها عام 1927(31). ولقد كانت الترجمة مصدرا رئيسياً من مصادر أدب الأطفال في العالم العربي بين الحربين العالميتين، وبدأت تتراجع لصالح التأليف العربي إلى تأليف نوعي في السبعينات، دون أن تختفي الترجمة، ودون أن تتمكن من المحافظة على مكانتها السابقة، إضافة إلى أن تطور أدب الأطفال في الوطن العربي تطور غير متكافىء، ففي حين كانت الترجمة أساساً لهذا الأدب الفريد في مصر فإنها لم تكن كذلك في سوريا والعراق. ومقابل تأخر ظهور أدب الأطفال في دول الخليج تطور هذا الأدب بسرعة في لبنان وسورية والعراق ومصر وتونس(32). وترى سمر الفيصل أن العلاقة بين أدب الأطفال والتراث العربي ما زالت في بداياتها الأولى، لأن مشكلة الاستلهام من التراث ما زالت قيد الدراسة. وما يلاحظه المرء من قصص وأشعار ومسرحيات مستمدة من التراث، يجب أن يخضع لسؤال هام هو مدى ملاءمته للطفل؟ وهل هو تبسيط للتراث؟ أم استلهام منه؟(33)

          ومع انقضاء الثلث الثاني من القرن العشرين، تلته مرحلة بدأ أدب الأطفال خلالها بإنتزاع إعتراف الهيئات العلمية والأدبية به، وسلك طريقه ليصبح مادة من مواد التدريس في الجامعات(34).

          ولقد كان لحرب حزيران أثرٌ كبيرٌ على الإهتمام بالأطفال وأدبهم من خلال رؤية تهدف إلى بناء مجتمع سليم قوي، والذي يشكل الأطفال اللبنة الأساسية فيه، فصارت تعقد الندوات والمؤتمرات وتقام المراكز من أجل النمو بالطفل وأدبه، ومن أبرز من اهتموا بالكتابة للأطفال بعد حرب حزيران سليمان العيسى وزكريا تامر من سوريا(35).

          وفي الوقت الذي قطعت بعض الدول العربية شوطاً في مجال أدب الأطفال مثل مصر وسوريا نجد دولة اليمن يتحدد ميلاد أدب الأطفال فيها بالعام 1973(36)، وفي المغرب حتى سنوات الثمانين كان أدب الأطفال يخطو خطواته الأولى(37). وقد رافقه ترجمات من أدب الأطفال الفرنسي المترجم والذي كان منتشراً لديه.

          ويتميز الثلث الأخير من هذا القرن بالتنافس بين دور النشر لإصدار مجموعات ملونة جميلة ذات طباعة جذابة للأطفال، وقد تجاوز التنافس حدود الكلمة والكتاب ليصل إلى برامج الكمبيوتر الخاصة بقصص الأطفال وقصائدهم وكما أنه يتم استغلال الكثير من البرامج الترفيهية والتعليمية للأطفال. ونلاحظ منذ السبعينات حتى الآن غزارة في الكتابة للأطفال، وقد ساعد على تنشيط حركة الكتابة وسرعتها التغيرات التي طرأت على البنية العقلية التربوية وعلى تغيير موقع الطفل في العلمية التربوية كذلك في عملية التطوير الإجتماعي، وتحقيق تطلعات المستقبل، ويضاف إلى ذلك كله اهتمام الهيئات الثقافية والتربوية بما يكتب للطفل وتشجيعها على نشره، ولكن على الرغم من الإنتباه الجماهيري المتزايد لأدب الأطفال كنتيجة مباشرة لنجاحه التجاري، فإن المؤسسات الأكاديمية والنقدية في الشرق لم تكرس بعد جهود كافية لبحث هذا الأدب، وإن وجد بعض الباحثين الذين بدأوا يتوجهون لبحث أدب الأطفال(38).

          ومن اهم التوصيات التربوية والنقدية والعلمية التي تحاول توجيه أدب الطفال في العالم العربي من اجل النهوض به قدماً ما يلي:

أ. الابتعاد عن القصص والحكايات التي تقدم قيماً سلبية للأطفال والاهتمام بالمواضيع المستوحاة من بيئة الطفل، والتي من شأنها أن تغرس ايجابية في نفسه.

ب. اعتماد التراث كمصدر هام يمكن استلهام الكثير منه لخصوبته بالمجتمع والمفيد من موتيفات ونصوص يمكن أن تشكل مصدر ايحاء للكتاب، ويستشهد أصحاب هذا التوجه على سبيل المثال بكتاب ألف ليلة وليلة بشكل خاص والحكايات الشعبية بشكل عام كمصدر هام لهذا الاستلهام. ولم يكن البعد الفني هو وحده الذي يوجه هؤلاء للتنقيب في التراث، إذ أن الفكر القومي يوجههم ايضاً على اعتبار أن التراث جذر هام من الوعي القومي الذي يجب ترسيخه بين ابناء الأمة العربية.

ج. الاهتمام بقصص الخيال العلمي، وهناك الكثير من المحاولات في العالم العربي لترسيخ جذور هذا الخيال في أدب الأطفال العربي(39) ضمن استراتيجية عامة لتقديم مواضيع علمية في عالم يسيطر عليه انجار المعرفة(40).           

هـ. الاهتمام بالإخراج الفني للكتب والرسومات الداخلية للكتاب بحيث تتلاءم مع مضمون القصة والجيل المقدمة له.

د. تطوير الأساليب الفنية في النصوص المقدمة للأطفال للتخفيف من أزمة الوعظ التي باتت تسيطر على الكثير من الإصدارات المقدمة للأطفال.

هوامش تطور أدب الأطفال:

(1) الحديدي، علي. في أدب الأطفال. القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، ص49-50.

(2) ن. م. ص66-87.

(3) للتوسع في تبسيط أدب الكبار أنظر في باب تبسيط أدب الكبار في هذا البحث.

(4)الجبوري، أسعد. 1976. "أدب الأطفال- قطار على سكة مثلمة" الموقف الأدبي 61 (أيار 1970)، ص29.

 (5)ــــــــــــــ

(6) قلماوي، سهير. 1966. ألف ليلة وليلة. القاهرة: دار المعارف بمصر، ص69.

(7) سعد، فاروق. 1962. من وحي ألف ليلة وليلة. ط1، بيروت: منشورات المكتبة الأهلية، ص288-289.

(8)بريغش، محمد. أدب الأطفال. القاهرة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ص29-33.

(9)أحمد، ناصر. 1989. القصص الفلسطيني المكتوب للأطفال. [د.م.]: دائرة الثقافة-منظمة التحرير الفلسطينية، ص18.

(10) كان عمر الخطاب من أوائل من وضعوا منهاجاً لتعليم الأطفال وذلك في كتاب بعث له إلى ساكني الأمصار قال فيه:" اما بعد فعلموا اولادكم السباحة والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر". انظر: الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. 1975. تحقيق عبد السلام هارون. البيان والتبيين. ط4، القاهرة: [د.ن]. ج2، ص99. وفي الاجناس الأدبية المقدمة للطفل يرى الجاحظ بألا يشغل قلب الصبي بالنحو إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه، وما زال عن ذلك فهو مشغله عما هو أولى به ومذهل عما هو أردُ عليه منه، من رواية المثل الشاهد، والخبر الصادق والتعبير البارع. انظر: جريس، إبراهيم. 1980. كتابان للجاحظ. عكا: مكتبة ومطبعة السروجي، ص73. 

          وقد اهتم الخلفاء الأمويون بتعليم أولادهم وتهذيبهم وقد جاء في مقدمة كتاب المفضليات:"قال أبو بكر الأنباري، قال أبي وحُدِّثتُ أن أبا جعفر المنصور تقدم إلى المفضّل في اختيار قصائد للمهدي، فاختار له هذه القصائد فلذلك نسبت إلى المفضل. انظر: الضبي، المفضل بن محمد. 1998. تحقيق عمر الطباع. المفضليات. بيروت: دار الأرقام للطباعة والنشر، ص13. والمفضليات عددها 128 قصيدة، وقد تزيد وتنقص وتتقدم القصائد وتتأخر. وإن المفضّل قد جمعها للخليفة المهدي. للتوسع في المفضليات انظر:ن.م. وانظر: دائرة المعارف الاسلامية. ج29، ص8966. وللتوسع في تعامل المسلمين والعرب مع الطفل، انظر:  E.I.S. SAGHIR    

 (11) ولقد كان لكتاب كليلة ودمنة أثره الأدبي الفعّال على كثيرين من الأدباء الأقدمين والمحدّثين فنظمة شعراً كل من ابن سهل بن نوبخت، وعلي بن داوود كاتب زبيدة بنت جعفر، ونسج على منواله كثيرون من الكتاب، فألفوا كتباً عديدة تجمع الكثير من الروايات والحكايات على ألسنة الحيوانات منها كتاب سلوان المطاع في عدوان الطباع لابن ظفر، فاكهة الخلفاء ومناظرة الظرفاء لابن عربشاه، ولم يقف كتاب كليلة ودمنة بتأثيرة على الأدباء العرب بل تعداه إلى الامم الاجنبية وعلى سبيل المثال لا الحصر حكايات لافونتين الشعرية. وتحتوي هذه الكتب على كثير من النصوص الملائمة للأطفال. انظر: سليمان، موسى. 1984. القصص المنقول. بيروت: دار الكتاب اللبناني، ص15-16.    

(12) حمد الله، علي. 1986."ندوة أدب الأطفال في تونس 5-7 أيار 1986". الموقف الأدبي 184 (آب 1986)، ص166.

(13) ن. م. ص166.

(14) ن. م. ص165.

(15) ن. م. ص166.

(16) يوسف، عبد التواب. 1985. كتب الأطفال في عالمنا المعاصر. القاهرة: دار الكتاب المصرية، ص10.

(17) للتوسع في منهج محمد عثمان جلال في الترجمة، انظر:

          بلاص، شمعون. 1985." إطلالة على منهج محمد عثمان جلال في الترجمة". الكرمل(1985)، ص1-36.

(18) زلط، أحمد. 1994. أدب الطفولة بين كامل كيلاني ومحمد الهراوي. القاهرة: دار المعارف،       ص14.

(19) العناني، حنان. 1996. أدب الأطفال. عمان: دار الفكر، ص14.

(20) صبيح، ابراهيم. 1985. الطفولة في الشعر العربي الحديث. الدوحة: دار الثقافة، ص373.

(21) دياب، مفتاح. 1995. مقدمة في ثقافة الأطفال. القاهرة: الدار الدولية للنشر والتوزيع، ص22.

(22) صبيح، ابراهيم. مصدر سابق. ص373.

(23) الحديدي، علي. مصدر سابق، ص378.

(24) صبيح، ابراهيم. مصدر سابق، ص369.

(25) أبو سعد، أحمد. 1980." تطور فن الكتابة للأطفال في البلاد العربية ومشكلياته". الموقف الأدبي 104/105 (كانون ثاني 1980)، ص218.

(26) دياب، مفتاح. مصدر سابق، ص22.

(27) أبو سعد، أحمد. مصدر سابق، ص218.

(28) ن. م. ص219.

(29) ن. م. ص221.

(30) للتوسع عن الكيلاني انظر:

           مجموعة من الكتاب. 1965. كامل كيلاني في مرآة التاريخ. القاهرة.(د.ن).

(31) الحديدي، علي. مصدر سابق، ص374-376.

(32) ن. م. ص169.

(33) أبو سعد، أحمد. مصدر سابق، ص222.

(34) ن. م. ص223.

(35) أبو هيف، عبد الله. 1984. "عبد المجيد القاضي وأدب الأطفال في اليمن". الموقف الأدبي 164( كانون الأول 1984)، ص115-124.

(36) الخطيب، إبراهيم. 1980."تقرير حول أدب الأطفال في المغرب". الموقف الأدبي 104/105( كانون ثاني 1980)، ص64-72.

(37) سالم، ليلي. 1984." أدب الأطفال بين الوعي والخيال". الموقف الأدبي 159/160(آب 1984)، ص114.

(38) S. Ballas and R. Snir. 1998. Studies in Canonical and Popular Arabic Literature. Toronto: New York Press. p.p.104.                                                                 

(39) للتوسع في أدب الخيال العلمي في أدب الأطفال العربي، انظر:

          الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. 1993. أدب الطفل العربي. عمان: منشورات الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب. ويحوي هذا الكتاب على دراسات ومقالات كتبها باحثون وأدباء حول  موضوع الخيال العلمي، وتمت مناقشتها في المؤتمر الثامن عشر  الذي عقده الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في عمان عام 1992.

(40) من المحاولات البارزة للكتابة في مجال الخيال العلمي:

          عبد الباري، عفاف(د.ت) سلسلة مغامرات الجيل العلمية. بيروت، دار الجيل. وتضم السلسلة اثنتي وعشرين كتاباً تتحدث عن مغامرات عجيبة تحدث في الفضاء، وصراع رجال القضاء مع مخلوقات فضائية مختلفة قدمت من كواكب أخرى إلى الأرض، وقد قدمت هذه المغامرات بأسلوب "الكوميكس".