Make your own free website on Tripod.com

تكنولوجيا أدب الأطفال - علاء الدين رمضان

 

تكنولوجيا أدب الأطفال

علاء الدين رمضان

المقال من موقع:

 http://www.geocities.com/amaricaeg/alaa1.htm

 

 

في روايته ( المدينة والنجوم / 1953م ) يكشف ” آرثر كليرك “(1) عن دراية موسوعية بمختلف مجالات المعرفة .  وزمن تلك الرواية هو المستقبل الذي توهم كليرك آنذاك بأنه بعيد اهتم فيه المؤلف اهتماماً خاصاً بما أطلق عليه الاتصال البشري ، في حالة ” ليز Lys  التي تمثل نموذجاً للاتصال الذهني الذي يسميه كليرك بالتحديد ( التخاطر Telepathy ) ، أو ( قراءة الأفكار mind reading ) ؛ ويربط كليرك هذه الموهبة التي يكتسبها البشر بالزيادة الضخمة في خوارق الفكر البشري .. ففي المستقبل ، أرفع الناس المفكرين درجة سوف يفهم بعضهم بعضاً حتى ولو كانوا على مسافة بعيدة ، وذلك بفضل براعتهم الخارقة في ” قراءة الأفكار “ أعني قدرتهم على أن يبعثوا ويستقبلوا أفكاراً .

بهذه الإرهاصة التي أحدست في طياتها بآليات عصر نعيشه الآن استشرف كليرك ابتكارات الاتصال المتقدمة الآن والانترنت ، بما تعارف عليه بالتخاطر ، فكليرك هنا أشبه بمؤلف ألف ليلة وليلة الذي أطلق بساطاً سحرياً في الفضاء فكان إرهاصة بعصر الطيران .. فما كان بعيد الاحتمال بالأمس لم يصبح حقيقة اليوم فحسب ، بل هو جزء من حياة الإنسان اليومية . والقصص القديم والأساطير تحولت إلى حقيقة يومية ليس فقط في نظر الشخصيات القيادية في زماننا بل أيضاً في نظر الإنسان العادي (2) .

فعلى ضفاف الأدب تنبع الأفكار العظيمة لكل ما يحيط بنا من ابتكارات ، فالأدب ولا غرو مؤثر في عقول العلماء والمبتكرين ، وإذا كان مهماً أن نبحث أثر الأدب في العلوم فإنه على درجة الأهمية نفسها أن نبحث أثر هذه الابتكارات والتقنيات على الأدب ؛ من هذا المنطلق كتب الشاعر المصري المعروف أحمد فضل شبلول كتابه ( أدباء الإنترنت .. أدباء المستقبل(3) )الذي يعد علامة في مجاله ، ثم ثنى عليه بكتاب ( تكنولوجيا أدب الأطفال(4) ) ، الذي جعله مصباً لذوب خبرة الكاتب في مجالات الكتابة الأدبية بوصفه شاعراً ، والكتابة الالإستشرافية حول أثر التكنولوجيا في الأدب وكتاباته للأطفال وعن الكتابة للأطفال شاعراً وناقداً .. من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب ..

    ثقافة الطفل الإلكترونية

الطفولة هي حجر الأساس في بناء المجتمعات الحديثة ، والطفل هو الثروة الحقيقة لأية أمة ، وتعد ثقافة الطفل لبنة أولى لثقافة الإنسان ومن ثم ثقافة المجتمع ، وقد تعددت وسائل الثقافة وأساليبها ووسائطها وألوانها وأشكالها ومن بين هذا الركام من الطرق والوسائل والأشكال بزغ في المرحلة الأخيرة شكل جديد من أشكال الثقافة يمكن الاصطلاح على تسميته بـ ” الثقافة الإلكترونية “ ووسيلته الأساس هي الحاسب الآلي وشبكات المعلومات في المنازل والمدارس والأندية .

وكما أن للواقع العاطفي أدبه الذي يحفل بانفعالاته الوجدانية في صورها المتعددة كذلك للثقافة العلمية أدبها وقد حاول الباحث أن يؤكد على أن الثقافة الإلكترونية وجه من أوجه الثقافة العلمية التي ولدت من قبل أدب الخيال العلمي Science fiction  الذي امتد تياره في القرن العشرين مع تجلي طغيان النزعة المادية وانتصار الصناعة وتفوقها على كل الأنشطة المختلفة في العالم عن ذي قبل ، وقد تبلور هذا اللون الأدبي مع وضع الأساس المعرفي العام لنظرية النسبية the theory of relativity  في مستهل القرن العشرين ، والربط بين الخيال العلمي والثورة التكنولوجية في منتصف القرن العشرين أمر لا يختلف فيه اثنان . والطفرة التي لم يسبق لها مثيل في العلم والتكنولوجيا لم تعجز عن أن تنعكس في الأدب .. فالمستقبل في إسراعه نحو البشرية كاد أن يكون جزءاً من الحاضر ، فأين الطفل العربي وثقافته من هذه الموجة الإلكترونية التي سماها ألفين توفلر ( الموجة الثالثة ) تلك التي ورثت عصري الزراعة والصناعة .

لقد زج بالإنسان العربي في أتون هذه الثورة المعلوماتية وهو ذاهل لا يدري مدى خطورتها ولا ما تحمله الأيام له من مفاجآت والأبناء بدأت تدب فيهم الحماسة وتخلب ألبابهم جولات الإنترنت ومواقعه وانتصاراتهم فيها دون وعي حقيقي بما يحدق بهم مخاطر سلب الهوية والقيم والأخلاق .. ومن هنا يصبح العبء كبيراً على أطفالنا الذين بدأوا يتعاملون مع جهاز الحاسب الآلي دون أن يكون لأبويهم اهتمام مماثل أو حتى الرغبة المماثلة التي تجعلهم الجدار الناري الواقي من هجمات الهاكرز التي لا تستهدف الأجهزة بل تستهدف العقول التي من وراء هذه الأجهزة على الأخص ، بهدف تكريس النموذج الثقافي الذي لا يناسبنا ولا يناسب عاداتنا وثقاليدنا ، مما يستوجب أن تكون الوقفة في هذا الصدد جادة وعاجلة ومؤثرة ، وبخاصة لما يواجهنا يوماً بعد يوم من تعدد منتجات الثقافة الإلكترونية وتشعب أبعادها وإغراقها في الخصوصية وتأمين العزلة إلى جانب مايستهدف العالم الثالث، ففي ندوة أدب الطفل العربي(5) صرح د/ عماد زكي بأن ” جزءاً لا يستهان به من البرامج والأفلام ــ التي تخاطب الأطفال ــ مبرج وموجه خصيصاً لعالمنا الثالث وينطوي على أهداف غير بريئة يجب أن ننتبه إليها ونحذرها “.  وهو أمر حقيقي يمكن لأي متابع لهذه الأعمال أن يلمسه بيسر شديد والمثال على ذلك صور الصراع العربي الإسرائيلي في فيلم " سامبا " الذي يتجلي ما يحاول بثه من رسائل إعلامية معادية للعرب من خلال الحوار العادي الذي يشير بوضوح شديد إلى الموضوع ، بل إن قطاعاً مميزاً من المشاهدين المثقفين سوف يحاول أن يربط بين الفيلم وبين قصة الأطفال اليهودية الشهيرة ( سامبا ) التي ألفها " يغيثال موسينيزون" في خمسينيات القرن العشرين ؛ هذا فيما يتعلق بالرسائل الإعلامية المباشرة ، أما الرسائل الأخرى غير المباشرة فأشير هنا إلى موقع Kids on the Net وبخاصة صفحات قصائد فكاهية جميلة Lovely Limericks سنلاحظ مدى العناية في إصداري إبريل 2000 ويوليو 2001 بما يسمونه الغرباء ، بما يحمله هذا المصطلح عند الأوروبيين والإنجليز على الأخص من قلق ورهبة على عكس معناه عند العرب ، وقد عبر عدد من أطفال المدارس الإنجليزية والأمريكية عن رؤيتهم للغريب من خلال قصائد وكتابات قصصية تنافسوا عليها بدافع من موقع الأطفال على الشبكة ذي الصلة الوثيقة بالمدارس الإنجليزية والأمريكية ؛ والغريب من وجهة نظرهم ليس سوى من لا ينتمي إلى جلدتهم ، فهم يربون أبناءهم على نوع من العنصرية الواضحة ، وليس أمامنا الآن إلا توعية أبنائنا وإنتاج البرامج والمجالات الإلكترونية التي تؤكد الهوية العربية تتأكد وترسخ من خلال جعلها نطاقاً تدور في فلكه الثورة التطويرية في مجالات العتعليم والتعلم والثقافة الإلكترونية فمن هنا تبدأ مسيرة أطفالنا الحقيقية نحو المستقبل الذي يتطلعون إليه ومن أهم النماذج التي ذكرها المؤلف في مجال النشر والبرمجة الإلكترونية ذات الهوية العربية برنامج ( رحلة إلى مكة ) وهو برنامج منتج على اسطوانة ليزر مدمجة ( CD ) بوساطة شركة صخر .

مواقع ومقاهٍ ومسابقات للأطفال

تنشر مواقع الألعاب الإلكترونية والتثقيفية التي تخاطب الطفل ، على نطاق واسع عبر الشبكة وقد حاول الكاتب أن يرصد في عجالة عدداً محدوداً من هذه المواقع ، ولم يخضع اختياراته لعملية منهجية بل تركها مواقع ذات هدف تقريبي تمثيلي لمثيلاتها على الشبكة ؛ ومن المواقع التي ذكرها المؤلف : صفحة الطفل kidzpage ، وفيلكس القط Felix the cat  ، والطفل المدلل kid scound ، ومنتزه الأسرة family surf ، وأطفال العالم world kids من شبكة الأطفال ، وعالم ديزني .. وغيرها من مواقع التي يبدو أن الكاتب لم يقم يقم بزيارتها عند وضع الكتاب بل اعتمد على مجلتي آفاق الإنترنت وإنتر نت العالم العربي ، مما سبب بعض الأخطاء اليسيرة التي كان من السهل تلافيها ، فعلى سبيل المثال وضع بين مواقع الأطفال موقع ( كل شيء عن الأطفال www.akk.com  ) وما هو في الحقيقة الآن إلا موقع لبيع مساحات للعناوين باسم I Domain  .

وينقل الكاتب صورة حية لمقاهي الإنترنت الخاصة بالصغار والصبيان من خلال حديثه عن تلك المقاهي التي انتشرت في الإسكندرية بدلاً من أو شبيهة بمقاهي الأتاري والبلياردو والبولينج .. وهي الحال نفسها التي تفشت في كل بقعة من بقاع العالم الآن بل إن عدداً من المقاهي في صعيد مصر الآن يعد نموذجاً مهماً للحرص على منفعة الزائر ورعاية القيم والتقاليد فيقدم الآن في مثل تلك المقاهي قوائم من العناوين للهواة في كل مجال على حدة بوصفها مواقع جاذبة مرشحة للزيارة ، وهي في الأصل مراجعة من قبل متخصصين في التربية والدين الإسلامي ، مع الملاحظة والمتابعة الدائمة والتامة للمواقع التي يزورها المترددون على المركز الاتصالي ( مقهى الانترنت ) وبذلك تتحقق السيطرة القيمية على ما يزوره هؤلاء من شباب وصبيان بل وكبار أيضاً حتى يظل العابثين في بعد عن الاختلاط بالمحافظين الملتزمين .

ومن ناحية أخرى نجد من إيجابيات التعامل التربوي مع الثورة التكنولوجية تقديم بعض الحكومات العربية(6) مسابقات للصغار والصبيان والشباب في مجال الانتاج البرامجي وتطبيقات الإنترنت ، على أن  ينطلق المتنافس من الهوية ويحافظ على معايير المجتمع العربي من قيم وتقاليد وفي حدود الهوية الدينية والقومية ، ولا يعني ذلك إلا قناعة تلك الدول بأهمية وحتمية الثقافة الإلكترونية ومن ثم فإن إعداد أطفال قادرين في عصر المعرفة والمعلومات على التنافس العالمي من خلال توظيف تكنولوجيا الحاسبات في نطاق القيم الاجتماعية السائدة .

وسائل الحماية من مخاطر الانترنت

ونجتهد مع الكاتب ، ومعنا موقع www.ftc.gov/Kidz Privacy ، في وضع عدد من وسائل الحماية التي تقي الأطفال من مخاطر استعمال الإنترنت وبرامج الكمبيوتر ذات الامتداد التثقيفي:

1 ـ وضع جهاز الكمبيوتر الخاص بالأطفال والقُصَّر في أكثر الأماكن اشتغالاً في المنزل كغرفة الاستراحة أو المعيشة ، بحيث يظل الكمبيوتر في مكان لا ينقطع عنه الجميع في المنزل فتتيسر المراقبة ويتأكد الحذر .

2  ـ التأكيد على أهمية عدم بذل المعلومات الشخصية لأي إنسان عبر الشبكة ؛ كالعنوان ورقم الهاتف أو البنك الذي يتعامل معه أحد الوالدين ، أو المدرسة التي يدرس بها ، وعد م إرسال الصور الشخصية إلى جهات غير معروفة ..

3 ـ وضع عدد من الضوابط التي تحكم عملية استخدام الشبكة كتلك التي كانت توضع من قبل لمشاهدة التليفزيون ، ومحاولة الوالدين الجادة لتنمية معارفهم عن وسائل حماية الأطفال ، ومشاركة أطفالهم في التجول عبر الشبكة ، والحرص على انتقاء مواقع لهم تناسب أعمارهم وذات فائدة معرفية ، وزيارتها سوياً .

4 ـ على الآباء متابعة البريد الإلكتروني لصغارهم والتأكيد على عدم الرد على الرسائل الغامضة أو التي تحمل عبارات تمس الخلق أو الأمن العام أو تشي بانحراف فكري أو وجداني ، ويفضل استخدام برامج خاصة بمنع استقبال العبارات والرسائل البذيئة ، كما يفضل أن يكون للأسرة بريداً إلكترونياً واحداً إلا إذا كان عمل أحد الوالدين يحتم استخدام بريداً مستقلاً عندها يفضل أن يكون بريد الوالدين على نحو سري مع إظهار أن البريد الذي تستخدمه العائلة هو للجميع .

الهوامش والإحالات 

1 ـ يطلق على آرثر كليرك Arthur Clarke" عملاق الخيال العلمي the coloussus of science-fiction  " ، فهو إلى جانب كونه مؤلفاًلأكثر من أربعين رواية من روايات الخيال العلمي ، تميز بموهبة فنية عظيمة ، وهو أيضاً على شاكلة إيزاك آسيموف Isaac Asimov  فيزيائي وعالم رياضيات .

2 ـ أنظر ؛ فالنتينا إيفاشيفا : الثورة التكنولوجية والأدب ، ترجمة عبد الحميد سليم ، القاهرة : هيئة الكتاب ـ 1985م ، ص: 152 ، و ص: 35 .

3 ـ أحمد فضل شبلول: أدباء الإنترنت .. أدباء المستقبل ، الرياض: دار المعراج الدولية للنشر ـ1997م/1417هـ.

4 ـ أحمد فضل شبلول : تكنولوجيا أدب الأطفال ، الإسكندرية : دار الوفاء ـ 1999م .

5 ـ أعمال ندوة أدب الطفل العربي ، مجموعة بحوث ، إصدار الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ، عمان ، الأردن : د.ت ، ص : 116 .

6 ـ جمهورية مصر العربية ، منشور المسابقة القومية لدعم ثقافة ومهارات الطفل المصري ، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري بالتعاون مع وزارتي التنمية الإدارية والثقافة ، والمركز الإقليمي لتكنولوجيا المعلومات وهندسة البرامج ومجلة عالم الكمبيوتر المصرية ، القاهرة 1997م .


علاء الدين رمضان