Make your own free website on Tripod.com

الشخصية العربية في قصص الاطفال العبرية التجارية  - د. فوزي الاسمر

 

الشخصية العربية في قصص الاطفال العبرية التجارية
 


د. فوزي الاسمر
اكاديمي وباحث مصري


مقدمة:

ان الشخصية العربية كما صورت في قصص الاطفال التجارية باللغة العبرية في فلسطين المحتلة، تمثل انعكاسا للافكار التي حملتها الحركة الصهيونية، ولا تزال، عن العرب بشكل عام والفلسطينيين العرب بشكل خاص. واستطيع ان اقول، ان صورة هذه الشخصية لم تقتصر على اليهود "الاسرائيليين" فحسب، بل نقلت وقبلت عند الكثيرين من يهود العالم وعند قطاع كبير من الرأي العام العالمي، خصوصا الغربي منه. وللاسف الشديد، فان الحركة الصهيونية استطاعت ان توجه انظار الرأي العام العالمي إلى منظارها ليرى من خلاله شخصيتنا العربية، ويحكم علينا نتيجة لتلك الرؤية.

وقد ظهرت هذه الرؤية واضحة في كثير من الكتب، ولا سيما الكتابين اللذين كتبهما د.ادوار سعيد عن الاستشراق والمشكلة الفلسطينية (1). فالحركة الصهيونية كانت تعرف قيمة السيطرة على الرأي العام العالمي، ومدى انعكاس هذه السيطرة على مقدرة تحقيق اهدافها في فلسطين بخاصة، وفي الشرق الاوسط بشكل عام. وكحركة استعمارية استيطانية فقد تحتم على الصهيونية ان ترسم الشخصية العربية في ادنى المستويات، وتنتزع كل حقوقها حتى تستطيع ان تبرر ما تقوم به في فلسطين.

من هذا المنطلق، يجب ان ننظر إلى هذا البحث، وان نأخذ بعين الاعتبار، مدى تأثير ادب الاطفال التجاري، على البنية الاجتماعية والاخلاقية في "اسرائيل"، كون ادب الاطفال، مثله مثل الادب بشكل عام، يكشف بعض النواحي الاجتماعية والافكار الايديولوجية، وطريقة التعبير عن غير اليهود، وعن السلام والحرب، وغيرها في المجتمع.

ولا اريد هنا ان اقول ان ادب الاطفال العبري هو الذي يخطط السياسة العنصرية التي انتهجتها حكومات في "اسرائيل" منذ ان قامت الدولة اليهودية على ارض فلسطين. ولكن بلا شك، يمكن القول ان ادب الاطفال يشكل عنصرا ثقافيا، ويترك اثره على نفسية الصغار، والذين هم في الواقع رجال المستقبل ونساؤه، وصانعو القرارات السياسية، والتي قد تكون لها ابعاد علينا جميعا، وهذا ما نراه ونلمسه الان في فلسطين التي احتلتها "اسرائيل" كلها، وفي تصرفات "اسرائيل" في لبنان، وفي نسف المفاعل النووي العراقي، وفي ضم مرتفعات الجولان السورية اليها.



هناك عوامل كثيرة تؤثر على توجيه الطفل، وترسم له خطوط حياته العريضة في المجتمع. ومن اهم هذه العوامل: الوالدان والبيت، والاساتذة والمدرسة، والاصدقاء والمحيط، وطبعا الادبيات المتوافرة والتي تقرأ لهؤلاء الاطفال، او التي يقرأونها بانفسهم. واذا اخذنا بعين الاعتبار ان كل هذه العوامل، في البحث الذي نحن بصدده الان، قد استقت معلوماتها من المصدر الفكري نفسه وحملت التوجيه العقائدي الذي ترعرع عليه حتى الكبار منهم والذي اعتنقوا الايديولوجية الصهيونية وهاجروا إلى فلسطين قبل قيام الدولة اليهودية وبعده، بهدف اقامة هذه الدولة والمحافظة عليها، اذا اخذنا بعين الاعتبار كل هذا، فاننا نستطيع ان نتصور نفسية معظم الصغار عندما يكبرون في مثل هذا الجو، ومدى تعاملهم مع القضية العربية والشخصية العربية.

وقد كان الانسان يعتقد انه في اعقاب "السلام" الذي تم بين مصر واسرائيل، وفي اعقاب الاحتكاك الذي حدث بين اليهود وبين العرب الفلسطينيين في اعقاب حرب 1967، ان تتغير الصورة المشوهة للعرب، الا ان بحثا قدمه د. ادير كوهين من جامعة حيفا، بالاشتراك مع د. مريام روث من الجامعة نفسها، والذي يعتمد على استطلاع جرى بين 260 تلميذة وتلميذا من الصفوف الرابع والخامس والسادس والذي نشر عنه تعليق في صحيفة هآرتس "الاسرائيلية" يوم 30 كانون الثاني 1985، كان يشير إلى ان صورة العربي لدى هؤلاء الاولاد لم تتغير، فالعربي كما جاء في هذا البحث هو : خاطف الاولاد والقاتل والمجرم والارهابي.

ويجب ان اسارع واقول ان ليس كل اليهود في "اسرائيل" يحملون الافكار نفسها عن العرب، بل توجد اقلية يهودية صهيونية ليبرالية، والتي تتمثل في اليهود الذين كانت لهم علاقات مباشرة مع الفلسطينيين العرب قبل عام 1948، وبعض الذين حضروا من البلدان العربية، والمعروفين في "اسرائيل" باسم "اليهود الشرقيين" والذين عاشوا مع المجتمعات العربية لفترة طويلة امتدت إلى اجيال، هذه الاقلية رفضت إلى حد ما صورة العربي التي ترسم في الادبيات الصهيونية، رغم انها لم ترفض كليا النتائج التي توصل اليها الكتاب في كتبهم. ومن جملة هؤلاء الكتاب الليبراليين، والذين اعكس تفكيرهم الايجابي إلى حد ما على صورة العربي، كان س. ازهار وبنيامين تموز وعاموس كينان والشاعرة داليه رابيكوفتش وغيرهم.

هناك طبعا الادباء المناهضون للصهيونية، والذين يعرفون حقيقة اهداف تشويه صورة العربي في الادبيات "الاسرائيلية"، وعلى رأسهم يقف الشاعر والاديب مردخاي ابي شؤول. ولكن هاتين المجموعتين صغيرتان، وتأثيرهما في هذا المجال، على المجتمع اليهودي في "اسرائيل" وخارجها ضئيل.



كيف فسرت الاصلاحات الصهيونية للاولاد؟

ان التعبير "ارض بلا شعب إلى شعب بلا ارض" وجد طريقا له، وبشكل واسع في كتب الاطفال، كونه يمثل اساسا في الفلسفة الصهيونية، ومن ناحية اخرى يزيل الشعور بالذنب عن كاهل اليهود "الاسرائيليين". وكأن البلاد كانت في الحقيقة فارغة من السكان. ولذا فان احدا لا يتحمل اية مسؤولية. ففي احد الكتب التي قرأتها تحضيرا لهذا البحث، يقول الكاتب:



"… وقام يوسف وبعض رجاله بقطع البلاد (فلسطين) سيرا على الاقدام، حتى وصلوا إلى الجليل. لقد تسلقوا الجبال والهضاب، والتي كانت خلابة في مناظرها. ولكن في الوقت نفسه كانت خالية، لا يسكنها احد… وقال يوسف: اننا نريد ان نقيم هنا المزرعة الجماعية (الكيبوتس) ومن هنا سندحر نحن هذا الفراغ. وسنطلق على هذا المكان اسم : تل حاي (التلة الحية) … ان الارض خالية من السكان، لقد ابتعد عنها ابناؤها (القصد طبعا لليهود) لقد تشتتوا ولم يعتنوا بها، انه لا يوجد من يحرسها او يعتني بها" (2).



وهذه البلاد، أي فلسطين، لم تكن في عرف ادب الاطفال العبري خالية من السكان فحسب، بل ان احدا لم يستغلها منذ ان طرد اليهود منها قبل الفي سنة تقريبا. وقد جاءت هذه الصورة لتبرر المقولة الصهيونية "الارض العذراء". وفي احد هذه الكتب توجد قصة رجل وصل إلى فلسطين وبعد ان عاش في احدى المزارع الجماعية (الكيبوتس) فترة معينة، قرر ان يأخذ عائلته ويترك المزرعة الجماعية ويفتش له عن مكان اخر يعيش فيه. وسار في ارض فلسطين "الخالية من السكان" قاطعا الجبال والوديان والسهول إلى ان وصل إلى بقعة "من اجمل البقاع التي شاهدتها في حياتي". وعندها قال: "سنسكن هنا" . وبعد ان اتخذ القرار، اقام كوخه الصغير، واخذ يجوب الارض التي تحيط بها وعندها:



"رأى حجرا كبيرا، وذهب اليه وتفحصه جيدا، ووجد بعض الاثار عليه، وقال لنفسه ان هذه الحجارة هي ما تبقى ن قرية يهودية قديمة، يجب ان نغرس وتدنا هنا، ونبعث هذه القرية اليهودية مرة اخرى. ونادى ابنه وقال: هنا على هذا التل سنسكن، عل ترى هذه الحجارة؟ انها بقايا قرية يهودية قديمة، دعنا نجمع بعض هذه الحجارة ونقيم قريتنا الجديدة" (3).



ولم يكتف الكاتب بهذا "الاثبات القاطع" ان الارض عذراء منذ ان تركها اليهود، بل ذهب إلى ابعد من ذلك، عندما عثر ابنه على لوحة رخامية، وهو يحرث الارض، وبعد ان اخرجها هو ووالده، وقاما بغسلها، وجدا عليها رسمة "مانورا" أي الشمعدان الذي يعتبره اليهود رمزا لهم، وتستعمله دولة "اسرائيل" كشعار لها. وعندها تبجح الاب كيف ان هذه القطعة الرخامية كانت موجودة في هذه الارض منذ الفي سنة، وكيف ان احدا لم يستغل الارض، ولذا عثروا عليها عندما عادوا إلى البلاد (4).

يجب ان نلاحظ العلاقة بين العثور على الحجارة القديمة، وبين اقامة القرية الجديدة من تلك الحجارة، فالكاتب لا يشير هنا إلى ان الارض كانت عذراء فحسب، بل ان ان ما يقوم به هو بعث الحياة الجديدة ـ القديمة في فلسطين. وهي الفلسفة التي بنى علها "ثيودور هرتزل" فلسفة روايته الارض الجديدة ـ القديمة. وكما هو معروف فان "هرتزل" هو الاب الروحي للحركة الصهيونية.

وبعض الكتاب لم يكونوا بحاجة إلى ايجاد اثباتات بان فلسطين تابعة للشعب اليهودي، كي يقنعوا الطفل بذلك، بل ان كل ما فعلوه هو استغلال المنطق الديني:



"لقد وعد الله ارض "اسرائيل" إلى الشعب اليهودي، وبما انهم تحملوا الكثير من المتاعب والمشاق خلال الفي سنة من التشرد، فقد حان تنفيذ هذا الوعد…" (5).



وبغية التملص من "الشعور بالذنب" امام الاجيال القادمة، يحاول بعض الكتاب التطرق إلى الصراع الفلسطيني ـ اليهودي، قبل، واثناء قيام "اسرائيل" خصوصا بعد ان اكتشف ان الارض لم تكن خالية من السكان كما كانت تقول الدعاية الصهيونية. متهمين العرب بأنهم هم الذين تنازلوا بمحض ارادتهم عن الارض، وباعوها لليهود. ولتقوية هذا الادعاء فان هذا الكلام ياتي على لسان عربي:



"لقد باع ارضي الافندي (العربي)، انها ارضي انا. باعها لافندي يهودي ذي شعر طويل، ما اسمه؟ انني اتذكر اسما واحدا فقط… "اسرائيل"، ولا اتذكر الاسم الاخير… انها "الكرين كايمت لـ"اسرائيل"" قال "جاد" هامسا" (6) (الشاب اليهودي).



اما الكاتب "سمولي" فانه يذهب إلى ابعد من ذلك عندما يضع حوارا بين بطل قصته اناس التكوين وبين مجموعة من الشيوخ العرب، وبعد ان "يفرض هيبته" عليهم يخبرهم انه قد بدأ باقامة قرية يهودية:



"ونظر الشيوخ إلى بعضهم البعض وقالوا: بعناية الله يا خواجا. اهلا وسهلا، ان هذه الارض ليست ارضنا، لقد سمعنا انها تابعة لليهود… "(7) (اليعزر سمولي).



بهذه السهولة يحاول الكتاب اقناع الصغار بوجهة النظر الصهيونية في ان العرب تنازلوا عن فلسطين بمحض ارادتهم. اما المقولة "الارض لمن يفلحها ويحافظ عليها" فقد وجد الكتاب تطبيقها بهذا الشكل:



"… ان العرب، الذين احتلوا ارضنا قبل الف وثلاثمائة سنة، اقاموا بها، واعتبروها وطنهم، ولكنهم لم يفعلوا أي شيء كي يحافظوا عليها من الخراب والدمار… في حين كانت بلادنا مأهولة بالغرباء، كانت ايضا تتحول إلى ارض بور، واقام ابناء "اسرائيل" في غربتهم واعينهم مصوبة إلى ارضهم، بمعنى انهم يريدون العودة إلى ارض "اسرائيل"، وطنهم العزيز… "(8).



ولكن بعض الكتاب الليبراليين، الذين يحاولون مناقشة هذا الموضوع، وصلوا إلى نقطة لم يستطيعوا بعدها الا العودة إلى المحور الصهيوني الذي يبرر وجود اليهود في فلسطين. ويحمل العرب مسؤولية ما حدث لشعب فلسطين.

جمعة، شاب عربي فلسطيني، طرد من بلاده عندما سقطت بلدته بايدي الصهاينة، وبعد ان اقيمت دولة "اسرائيل"، يحاول ان يتسلل إلى وطنه، فيلقى القبض عليه، ويساق إلى مخفر الشرطة. وقد كانت تعيش بالقرب منه، قبل عام 1948، عائلة يهودية. ويطلب جمعة احضار شخص من تلك العائلة ليشهد ببراءته، فيأتي اليهودي إلى السجن، وبعد ان يتعرف عليه ويسأله عن والديه واخوته، يحاول جمعة ان يشرح لـ "باروخ" لماذا تسلل إلى بلدته وعندها يقول الكاتب:



"… سكت جمعة، وسكتّ انا، انه على حق ونحن على حق. اننا لم نطردهم، وهم مطرودون. ماذا يمكنني ان اقول له ؟ هل يجب ان اقص عليه قصة الكارثة (ما حدث لليهود اثناء الحرب العالمية الثانية على ايدي النازيين) ام عن التشريد الذي لحق بنا؟ ام اقص عليه قصة اليهود الذين كانوا يأتون في جنح الظلام عبر البحار إلى البلاد؟ ام اخبره عن معسكرات الابادة والموت؟ وعن ملايين اللاجئين اليهود" (9).



والصورة المميزة للعرب في ادب الاطفال التجاري العبري، هي صورة قاتمة. وهي تمتد بشكل او بآخر إلى جميع الكتب التي قرأتها تحضيرا لهذا البحث. فالعربي هو مجرم وقاتل. فهو يحب القتل من اجل القتل. ولذا يجب عدم "ادارة الظهر للعربي". كما انه يقتل لأتفه الاسباب، ويظهر وكأن لا قيمة لحياة الانسان عنده. ثم انه اللص، فهو يسرق لان هذا في طبعه، وبخاصة من اليهود. وذلك نتيجة "الغيرة". غدّار يغدر حتى باهله واقاربه. منحط، يبيع قيمة الاشياء، جبان لا يقدر على الحرب ولهذا فانه غدّار. وهذه الصورة واضحة في تصوير الجندي والمقاتل العربي. وهو الابله الذي لا يعرف كيف يتحدث، ويصدق كل ما يقال له، ولا يستطيع ان ينتصر حتى في العدو او السباحة، ودائما يجب ان يعلمه شخص غير عربي ما الذي يجب ان يفعله. وهو كذاب، لا يمكن الاعتماد عليه في اية كلمة يقولها. ولا أي وعد يقطعه على نفسه. وهو قذر في تفكيره وجسمه، لا يغتسل، و"المعلمة" دائما تحذر الاولاد من الاقتراب من العربي كي لا يصابوا بمرض عضال.

وقد جاءت هذه الصورة غيرها في ادب الاطفال، لتنزع من الطفل احترامه للعربي، وبالتالي فان الشخص الذي لا تحترمه لا تستطيع النظر بموضوعية إلى المشكلة التي يطرحها، ولذا يسقط حقه. وفي جميع هذه الكتب يظهر دائما التفوق اليهودي في كل المجالات. والعربي المقبول لديهم، هو العربي الذي يقبل الامر الواقع، ويرى النواحي "الايجابية في الصهيونية ويستطيع التفاعل معها". بمعنى آخر، كل عربي يخون شعبه ويبيع ضميره، فهو العربي الجيد. وهناك عربي جيد اخر هو العربي الذي يتثقف على ايدي اليهود.

وكمثال آخر، هناك قصة اب يشرح لابنه عن العربي اللص، ولكن بصورة مهذبة. يأتي عربي وابنه لشراء بعض الحاجيات من عند يهودي وابنه، ويضطر الاب للدخول إلى البيت، وعندها يدور الحوار التالي:



"… "افنير، راقبهما" صاح الاب، وذهب إلى البيت ليحضر بعض النقود لاعطائها للعربي، في حين نظر افنير حوله ولم يعرف من عليه ان يراقب.

…"افنير، اذهب خلفهما حتى البوابة، وتأكد انهما لم يسرقا شيئا"، قال الاب… "ابي هل صحيح ان كل العرب لصوص؟ سأل افنير والده. "من الذي قال لك هذا الكلام؟" قال الاب بعصبية. "يجب ان لا تتحدث بهذه الطريقة."، "عندما يدخل عربي متجرك، فانك تلاحظه كي لا يسرق، وتطلب مني ان الاحظه ايضا، وعندما يدخل يهودي فانك لا تخاف ان يسرقك". وارتبك الاب، هناك اشكال مختلفة من العرب، قال، ويوجد بينهم لصوص. انك لا تعرف من العربي اللص ومن العربي الشريف.

" وهل يوجد لصوص يهود؟" سأل الابن. "طبعا، ولكن ليسوا هنا، انهم هناك بعيدا في المدينة. في قريتنا كل السكان اليهود مستقيمون، ولا احد منهم يسرق". "والعرب الا يغضبون عندما تراقبهم وكأنهم لصوص؟" سأل الابن. "ربما". اجاب الاب، "ولكن ماذا نستطيع ان نفعل؟" (10) .



هذا الحوار يشير مرة اخرى إلى كيفية اقناع الكاتب الاطفال بوجهة نظره من خلال حوار نصفه ليبرالي: "من قال لك ان كل العرب لصوص؟". و "هناك بعض اللصوص اليهود ولكنهم هناك في المدينة". بعيدا عن واقع حياة الصغير، ولكن كل يهود القرية شرفاء، اما العرب فلا تستطيع ان تميز بين اللص والشريف منهم، ولذا يجب مراقبتهم جميعا، وعدم الوثوق بهم. واذا غضب العرب، فليغضبوا…

قلت في معرض حديثي ان هناك صورة "ايجابية" لشخصية عربية معينة، وهي الشخصية التي تتنكر لشعبها وتتعامل مع الحركة الصهيونية في تنفيذ مآربها في فلسطين، وتلك التي تتجسس على شعبها وتعترف بحق اليهود المطلق على فلسطين. ولكن هناك صورة "ايجابية" من نوع آخر:

مجموعة من الاولاد اليهود يركبون سيارة متوجهين إلى مدينة القدس "لتحريرها" من ايدي العرب. وعند مشارف منطقة باب الواد، قبل الوصول إلى القدس، تنصب فجأة نار عليهم من الجبال المحيطة بهم ويقتل كل من في السيارة عدا واحد. ومع الظلام يأخذ هذا الولد في الصعود إلى الجبل القريب منه، ومع الصباح يصل إلى اعلى الجبل، وقد خارت قواه، بسبب الجرح الذي اصابه، والدماء إلتى خسرها، وعندها يرى بستانا جميلا ومرتبا، فيقول في نفسه ان هذه المنطقة يهودية. ويذهب إلى هناك، ولكنه يفاجأ ان الشاب الذي يقابله عربي.

ويطلب الشاب منه ان يعود إلى اهله والا قتله "المجرمون" العرب. الا ان الولد لم يكن يستطيع التحرك فيأخذه الشاب ويعتني به ومن ثم يعيده إلى اهله، بعد ان كذب على المقاتلين العرب وقال لهم ان هذا الولد يتيم وانه اطرش واخرس، لانه:


"لا استطيع ان اسلمك لهؤلاء البشر، انهم لا يأخذون اسرى ولا يداوون جرحى، انهم حيوانات كاسرة" (11) .



وقبل ان يعيده الشاب العربي إلى اهله يكشف له السر الخطير الذي دفعه لمساعدته:



"لقد تعرفت على شاب يهودي اسمه غرشون علمني معنى الحياة، لقد كان معلمي وصديقي في الوقت نفسه، ولهذا فانني اختلف عن هؤلاء القتلة" (12).



المثلان اللذان سقتهما، كانا على جانب كبير من الاتزان النسبي، اذا ما قيسا بالامثلة الموجودة في كتب الاطفال الاخرى. ان انتزاع احترام الطفل للعربي كانت، ولا تزال إلى حد كبير، احد الاسس التي تبني الصهيونية فلسفتها عليها في الشرق الاوسط.

الشخصية العربية الاساسية في كتب الاطفال هي شخصية البدوي، فهي تلعب دورا في تكوين الشخصية التي تسكن فلسطين قبل عام 1948، ونادرا ما ربط المؤلفون بين البدوي وبين عروبته، البدوي دائما بدوي. وشخصية البدوي في مجملها ايجابية إلى حد ما، رغم انها تحمل بعض الصفات الاساسية التي وضعتها الصهيونية لشخصية العربية. ولكنها ايجابية بمعنى ان الكتّاب قد قاموا بوصفها ووصف الحياة البدوية والعادات والتقاليد والزي وغير ذلك وصفا دقيقا.

والسبب في هذا الاهتمام الكبير، يعود في رأيي لاسباب كثيرة، اهمها شخصية البدوي المميزة، ولكن الاهم من هذا هو استغلال الحركة الصهيونية للبدوي لتدعيم فلسفتها بان ارض فلسطين كانت خالية من البشر، ولتستطيع ان تبرر ما حدث بعد ان اكتشف بعض المفكرين ان ارض فلسطين كانت مأهولة ولم تكن خالية. ومن جملتهم الداعية والكاتب اليهودي المعروف "آحاد هاعام" الذي كتب مقاله الشهير في عام 1891 بعد ان قام بزيارة فلسطين، ومما جاء فيه:



"لقد اعتدنا نحن في الخارج ان نعتقد ان ارض "اسرائيل" هي الان مقفرة تماما، صحراء غير مزروعة وبامكان كل من يرغب ان يشتري ارضا هناك … ولكن هذا ليس هو الوضع على حقيقته، ففي جميع انحاء البلاد من الصعب ان تجد حقولا غير مزروعة… "(13).



ولقد استغلت الصهيونية عدم ارتباط البدوي بالارض كي تبرهن انه عابر سبيل في فلسطين. فاليوم يسكن في شمالها وغدا في جنوبها، وبعد غد في مصر او سوريا او غيرهما من الاقطار المجاورة. بمعنى آخر : ان البدوي لا يمتلك ارضا، ولذا فانه لا يوجد له حق على أي ارض. وقد نجحت الصهيونية في تفسيرها هذا إلى حد كبير، ليس في كتب الاطفال فقط، بل لدى الكثيرين من الرأي العام الغربي.

وقد ركزت الدعاية الصهيونية على هذه الشخصية ايضا، عندما ربطت بين مفهوم "الارض" و"الوطن". وكون البدوي، وهو في رأيها الساكن الاساسي في فلسطين، غير مرتبط بالارض، ولا ارض له، فهو بالتالي غير مرتبط بالوطن ولا وطن له. ولم تحتج الصهيونية إلى الكثير من الجهد لاقناع الرأي العام الغربي، خصوصا الاوروبي حيث وجدت وترعرعت، بهذا المنطق، كون ان شخصية البدوي كانت معروفة لدى الرأي العام العالمي، بسبب الاتصالات التي كانت قائمة بين اوروبا والشرق، وهي اتصالات وعلاقات بين مستعمر ومستعمر. وبالتالي لم تكن الشخصية العربية ـ البدوية، شخصية ايجابية عند الغرب ايضا، ولذا وجدت الصهيونية ارضا خصبة لتفكيرها.

ومن ناحية اخرى، فقد كان من السهل ان تظهر الصهيونية الشخصية اليهودية مقارنة بالشخصية البدوية، فاليهودي اوروبي يلبس الثياب الاوروبية ويستطيع التحدث باللغات الاوروبية، ويأكل مثل الاوروبيين، ويحاكي حياتهم البيتية والاجتماعية إلى حد كبير، وغيرها من هذه الصور. في حين ظهرت الشخصية البدوية على نقيضها تماما.

واستطيع القول ان تصوير العربي الفلسطيني بانه بدوي فقط، اعطت الصهيونية قوة لتوسيع استيطانها، عن طريق جذب الرأي العام العالمي إلى جانبها، وكذلك اقناع الاطفال بوجهة نظرها. ليس لهذا السبب اسهب الكتاب في تطوير الشخصية البدوية.

يعرف الجميع انه كانت ولا تزال، هناك قبائل بدوية فلسطينية، وهي جزء من الشعب العربي الفلسطيني، ولكن الصهيونية اعطت الانطباع ان كل سكان فلسطين من البدو، وكأنه لا يوجد حضر ولا فلاحون فيها. هذا العمل تشويه فظيع للحقيقة. ولكنه، كما سبق وذكرنا، كان يخدم اهدافا معينة:



"… يرى البدوي الاغنام السود فقط. قال ناسي، والذي كان يمضي معظم اوقاته في مكتبة السيد ايرون، منكبا على قراءة كل ما له علاقة بارض "اسرائيل" وسكانها، لعله يتمكن من ادراك وتمييز السكان الاصليين دون صعوبة…" (14).



لماذا يرى البدوي الاغنام السود فقط؟ لست ادري، ويجدر بنا ان نلاحظ هنا استعمال الكاتب لاصطلاح "ارض "اسرائيل"" أي "فلسطين وسكانها"، أي كل سكان فلسطين، وليس بعضهم، من البدو.

في معظم القصص التي تعالج موضوع البدوي، يظهر فجأة ويختفي فجأة:



"… ذات يوم، ظهرت في وادي الربيع حمير وجمال محملة بالصناديق والرزم، مصحوبة بنساء واطفال. اناخ الرجال جمالهم في مكان منبسط وانزلوا حمولتها وحمولة الحمير… وفي خلال دقائق معدودات نصبت الخيام واخذ الدخان يتصاعد من النيران التي اضرمت في وسط الخيمة… "(15).



ومثلما ظهورا بسرعة، اختفوا بسرعة، وبشكل اعتباطي وبدون أي تبرير:



"اجبر احمد حصانه على الجري بسرعة، وفجأة ظهرت امامه الشجرة التي كان المخيم البدوي قد اقام على مقربة منها. ولكن اين اختفت الخيام؟ كان في استطاعة احمد رؤية الحفر في الارض التي تدل على الاماكن التي كانت اعمدة الخيام مغروسة فيها. رأى كومة من الرمد وبقايا حطب محترق، وعلى مقربة شاهد ابريقين قديمين احدهما من الفخار …"(16).



ويقطع البدوي الحدود بلا مبالاة، وهذه اللامبالاة ناتجة، في عرف الكتاب الصهاينة، عن افتقاره للروابط التي تشده إلى بلاده دون سواها.



"… وكان المسافرون الآخرون ابناء قبيلة بدوية تعيش في صحراء سيناء. قالوا انهم كانوا يحاولون الرحيل نحو الشمال، حيث المناطق المأهولة" (17).



ورغم تصوير شخصية البدوي ايجابيا إلى حد ما في ادب الاطفال، الا ان الصورة التي تميز العربي كانت تميزه ايضا، انه قذر:



"… دعونا نرى كيف يعيش البدو في خيامهم، قال ناداف باحتقار، قذرين… تفوح منهم رائحة النتانة" (18).



والبدوي لص ونشال ايضا:

"… وفجأة سمع صوتا يقول: "اللهم" وشعرنا بأيد قوية تقبض علينا وتكبلنا، وظهر امامنا شبحان يرتديان العباءة السوداء، انهما لصان بدويان… لم يكن ما سمعناه صرخات مزاح، ولم تكن لعبة اطفال، او مشهدا من فيلم سينمائي، لقد كان حقيقة. فالشبحان كانا لصين حقيقيين قاما بأسرنا ليتسنى لهما المطالبة بفدية لقاء الافراج عنا" (19) .



وقد ذهب بعض الكتاب إلى وصف دقيق لحياة البدو، وملابسهم وعاداتهم. وعلى سبيل المثال، هذا وصف لعباءة واهميتها في حياة البدوي:



"… العباءة لباس ممتاز، قال ناسي، مدافعا بحماس كبير عن لباس البدوي التقليدي. فهي تتلائم مع الشتاء كما مع الصيف. وتصلح للنوم علاوة على الجلوس والسير. ففي الشتاء يتلفح البدوي بعباءة والتي يستطيع لفها مرتين حول جسده، فيدفأ. والعباءة تحميه من المطر، يرتدي البدوي عباءته بحيث يكون وجهها المغطى بالشعر من الداخل، فيستحيل على المطر عندئذ اختراق العباءة وينزلق عنها وكأنها مطلية بطبقة من الزيت.

اما في الصيف، فتحفظ العباءة بين طياتها كمية من الهواء تحمي جسم البدوي من الحرارة، وتمنع عنه التعرق ايضا. ان احد المخاوف الدائمة للبدوي هي نقص المياه. فالعباءة تساعده على الاحتفاظ بمستوى السائل في جسده، وبالرغم من قلة تعرق جسم البدوي، فانه لا يبرد عند التعرق. العباءة منامة مريحة جدا. وبالاختصار، فان للعباءة ميزات لا يمكن حصرها… "(20).



هذا الشرح المسهب في عباءة البدوي، تعطي فكرة عن اهتمام الكاتب بحياة البدوي. اني لم اعثر على أي وصف آخر عن العرب يشبه هذا الوصف في كتب الاطفال التي استعملتها لهذا البحث. والتي تناولت كتب الاطفال العبرية التي صدرت بين الاعوام 1948ـ1975.

وهناك صورة لا يمكن تجاهلها، رغم انها مكثفة ومتشعبة، وهي شخصية المقاتل الفلسطيني، والجندي العربي. فبالنسبة للاول، فانه لم يقدم للقارئ على انه مقاتل. ان الفلسطيني لا يقاتل، بل يحاول ان يقتل. واعتبر النضال العربي الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني حرب "عصابات مجرمة":



"… العصابات العربية حاكت المؤامرات في حينه لهدم كل ما بناه جيل الطليعة اليهودية (في فلسطين) "(21).

"… وعندما تفجرت الاحداث الدامية في ارض "اسرائيل" وقف الشيخ عبدالله ابوستة على راس عصابة مجرمة، وبدأ ينظم الهجمات على طرق المواصلات العبرية، وقصف المستوطنات، واقامة الكمائن وزرع الغام في الطرق "(22).

"… سمعت مرة قبل اربعة او خمسة ايام، راسان الحارس يقول لوالدي ان العرب ينظمون عصابات كي يهاجموا المستوطنات اليهودية، وقد قال له والدي: "اننا نعد لهم استقبالا حارا" "(23).



ويصفون ثورة الشعب الفلسطيني ضد احتلال بلاده بأنها "عمل رعاع" حرضه عليه بعض المحرضين:



"…وقد قام بعض المحرضين بين العرب وادعوا ان اليهود سيأخذون منهم بلادهم، وقامت هذه الجماهير العربية المحرضة بحرق وتحطيم الممتلكات اليهودية "(24).



ومشكلة التحريض هذه لها بعد سياسي ايضا، ففي عرف الكتاب اليهود الذين كتبوا كتب الاطفال، ان العربي الفلسطيني لا يتحرك للدفاع عن وطنه وان كل ما يقوم به هو بسبب التحريض، ولولا التحريض لما حدث أي شيء في فلسطين، ولقبل سكانها باقامة دولة يهودية على اراضيهم دون اية مشاكل.



"… في بداية شهر ايار من عام 1921، قام بعض المحرضين العرب معدومي الضمائر، بتحريض الجماهير العربية في يافا وقصوا عليها اكاذيب عن نوايا اليهود في تل ابيب، وحرضوهم على القيام باعمال اجرامية ضدهم. وقام مئات العتالين والبحارة والزعران الذين يركضون وراء النهب والعطشى للدماء يحملون السكاكين والقضبان الحديدية بمهاجمة اليهود… "(25).



في المقطع الاول يقول الكاتب ان "المحرضين العرب ادعوا ان اليهود يريدون اخذ بلادهم" فهل هذا كلام تحريض ام صحيح؟ وفي الاقتباس الثاني، يصفون المقاتلين الفلسطينيين بأنهم "عتالة وبحارة وزعران"، حيث يعطون الانطباع ان هذه هي صفات المقاتل الفلسطيني. انه لا يعرف لماذا يقاتل.

وتطورات شخصية المقاتل الفلسطيني، بشكل سلبي طبعا. فبعد قيام الدولة اليهودية اصبح "متسللا" يعبر الحدود إلى وطنه ليسرق ويقتل. ومن ثم اصبح "مخربا"، حيث يقوم بالعمل نفسه، اضافة إلى التخريب. فهو ينسف اعمدة الكهرباء ويقصف البيوت، وبعد ذلك اصبح "ارهابيا" يقتل الاطفال في "الكيبوتسات" ويخطف الباصات ويزرع المتفجرات في الاماكن العامة. وطبعا هذه الصورة لشخصية المقاتل الفلسطيني موجودة في جميع الكتب.

اما بالنسبة إلى الجندي العربي، فان الصورة ليست احسن، فشخصية الجندي هي شخصية سلبية، ويعتمد الكتّاب في تصويرها على انتصارات "اسرائيل" في الحروب التي قامت بها، وانتصرت. الجندي العربي جبان وبدون قدرة فكرية ومقابلة "السوبرمان" اليهودي. الجندي العربي يهرب من ساحة القتال في حين يظهر الجندي "الاسرائيلي" هكذا:



"… حتى لا يبقى أي شخص منا على قيد الحياة، ويستجوب ويعذب على ايدي الاعداء، فانه اذا سقطت الطائرة قبل وصولها إلى الهدف، قال مانو بابتسامة ساخرة، سنكون نحن بلا مظلات. سنتحطم جميعنا مع سقوط الطائرة، ولن يعرف المصريون إلى الابد ماذا كان هدفنا في سيناء.

اننا لا نستطيع ان نطلب منك ومن رجالك ان تتحطموا مع الطائرة اذا ما وقعت، قال القائد غفر ياهو : انكم لا تطلبون من ذلك، اننا نحن الذين نطلبه من انفسنا، وبوعي كامل لانه لا يوجد بديل …"(26).



وفي بعض الاحيان يكون "السوبرمان" "الاسرائيلي" كلبة. هكذا يتبين من الكتب التي كتبها رئيس اركان جيش "اسرائيل" السابق "موطي جور" حيث كانت بطلة قصصه الكلبة عازيت والتي تستطيع ان تدخل قصور الملوك والرؤساء العرب، وهي تحمل ميكروفونا ينقل إلى المخابرات "الاسرائيلية" اسرار المحادثات بين القادة العرب السياسيين والعسكريين.

ومقابل هذه القوة العجيبة، يظهر الجندي العربي، جبانا ابله، ودون اخلاق. يكفي ان يطلق رصاص في الهواء حتى يفر هاربا:



"…ولم يشعر الولد اليهودي بما يفعل. حمل مدفع العوزي، واطلق بعض العيارات النارية في الهواء، والتي مرت من فوق راس الجندي العربي، وكان هذا العمل كافيا. العربي، فوجىء، واخذ يعدو هاربا "(27).



ولكن هذه الشخصية تغيرت قليلا بعد حرب 1973، عندما استطاع جيشا مصر وسوريا اقتحام مواقع الجيش "الاسرائيلي" على جبهتي القناة والجولان. هذا التغير لم يكن جذريا، ولكن لاول مرة تظهر في قصص الاطفال حكايات عن احتلال مستوطنات يهودية من جانب جيش عربي. وقد تركزت هذه القصص على احداث الجولان، ذلك انه من السهل اظهار "قوة" الجيش "الاسرائيلي" هناك، حيث استطاع اعادة احتلال بعض المناطق التي احتلها الجيش السوري، في حين لم يستطع الكاتب تفسير تحطيم خط بارـ ليف واحتلاله من جانب الجيش المصري للقارئ الصغير. ومع ذلك فقد استطاعت هذه الحرب ادخال نغمة جديدة على ادب الاطفال، كتصوير حالة الفزع والخوف في المستوطنات اليهودية، وهي صورة لم يعثر عليها في قصص ما قبل عام 1973:



"… صفير قنبلة مستمر، يخترق السماء فوق رأسي، في البداية يكون ضعيفا وبعيدا، وبعد ثوان يصبح قويا وقريبا. انه يثير الخوف ويجبرنا على اخفاض رؤوسنا، وينتهي هذا الصفير بصوت كالرعد ومن ثم هدوء غريب… ضجة طائرات نفاثة تمر فوق رؤوسنا، سرب من اربع طائرات ميغ يمر بسرعة البرق باتجاه جبل الشيخ… ضجة مخيفة حولنا، لم اكن اتصور انه يوجد مثل هذه الضجة المخيفة لدرجة شعرت اننا عبارة عن حبة تطحن بين عجلات ضخمة، كأن الارض تهتز تحت اقدامنا وبعد قليل سنسقط إلى داخل حفرة عميقة سوداء" (28).



وفي قصة اخرى، يخرج احد سكان مستوطنة يهودية في مرتفعات الجولان، بعد ان سمع ازيز الطائرات، يخرج ليرى كيف ستقوم الطائرات "الاسرائيلية" بتلقين السوريين درسا، لانهم يقصفون مستوطنة. ويخرج من الملجأ:



"… وظهرت في الافق طائرات تتقدم جنوبا، وفي الوقت نفسه ظهرت حمدة التي تعتني بشؤوننا في المستوطنة، وصاحت: ما معنى اننا نقف خارج الملجأ وكأن شيئا لم يحدث. الم تسمع القصف والانفجارات. رأينا، اجبت، وتابعت ملاحقة الطائرة المقاتلة. إلى فوق سترين الان كيف سيعلمهم هذا الطيار درسا.

ولكن للاسف الشديد كنت على خطأ. القنابل التي القيت من الطائرة كانت مصوبة ضدنا، وهذا ما برهن لي خطأي… "انني اعترف، لقد كنت ارتعد خوفا… "(29).



ويبرر الكتاب الذين كتبوا عن حرب 1973، ان ما استطاع العرب احرازه جاء نتيجة لمباغتتهم في "يوم الغفران"، عندما كان الجيش "الاسرائيلي" منهمكا في ذلك اليوم المقدس، ومع ذلك، فان القارئ يشعر، ولاول مرة، ان الجندي العربي استطاع تحطيم، إلى حد ما، صورة الجندي "الاسرائيلي" الذي لا يقهر. ورغم ان هذه القصص تنتهي بانتصار "اسرائيلي"، الا ان القارئ الصغير حصل على صورة جديدة للمقاتل العربي، انه بدأ يعرف ان العرب يستطيعون ان يحاربوا، وان يحتلوا اراض يسيطر عليه الجيش "الاسرائيلي"، وان في استطاعتهم ان يبيدوا الدبابات ويسقطوا الطائرات، هذه الصورة التي لم تظهر على الاطلاق في الكتب التي ظهرت قبل حرب 1973، وعالجت الموضوع.

كما ظهر في هذه الكتب ايضا، ولاول مرة، التحدث عن الاخطاء التي وقع فيها "الاسرائيليون"، لدرجة انها غطت على الشخصية العربية في تلك الكتب. وهذه هي المرة الاولى التي يتحدثون فيها عن اخطاء "اسرائيلية".



الخلاصة:

ظهرت البنية السياسية للحركة الصهيونية، "اسرائيل"، فيما يتعلق بالعرب بشكل عام، وبالعرب الفلسطينيين بشكل خاص، واضحة في الطريقة التي عرضت فيها الشخصية العربية في ادب الاطفال العبري التجاري. وهذه البنية لا تختلف في ايديولوجيتها كثيرا عن البنية الفكرية للاستعمار الاوروبي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وصورة العربي في هذا الادب هي صورة مشوهة جدا وسلبية جدا، وهذا نابع من عدة اسباب اهمها: نزع الاحترام عند اليهودي للشخص العربي، وهذا ما يفسر عدم الشعور بالذنب بالنسبة لما يقوم به هو او حكومته. كما ان انتزاع الاحترام يؤدي إلى انتزاع الحساسية الانسانية، وبالتالي يقبل الاحكام مهما كانت ضد من لا يكن له الاحترام، بما في ذلك حكم التشريد وسلب الممتلكات وحتى الاعدام. كما جاء هذا التشويه ليبرر العمل الذي خططت له الصهيونية منذ ان وجدت، وهو انتزاع فلسطين من اصحابها الشرعيين، أي العرب، واقامة دولة يهودية هناك.

ولقد جاء هذا التشويه فيما كتب عن العرب والفلسطينيين والتي سبق وعرضنا جزءا منها في هذه الدراسة. ولكن التشويه الاخطر جاء فيما لم يذكر، خصوصا عن الشعب العربي الفلسطيني.

لم يذكر أي شيء عن الادب الفلسطيني او الادباء او الفنانين، فهذا البند معدوم، كما لم يذكر أي شيء عن وجود مفكرين فلسطينيين ضمن المفكرين العرب.

كان الفلسطيني دائما عربيا، في حين كان يصف العرب الآخرين بجنسية بلادهم: السوري والمصري والعراقي واللبناني … الخ، وهذا العمل جاء لينكر وجود شيء اسمه شعب عربي فلسطيني، وليعطي الانطباع فيما بعد ان العربي الفلسطيني هو "عربي" وامامه الوطن العربي مفتوح.

كما ان صورة الفلسطيني ابن المدينة مشوهة جدا ويشار اليها بين السطور فقط، او عندما تكون هناك حاجة، على غرار سكان مدينة يافا الذين خرجوا "لذبح يهود تل ابيب"، وحتى في هذه الحالة صنفوهم بـ "العتالة والبحارة والزعران". ان عدم وجود ابناء المدن يلغي وجود المدينة.

وانعدمت ايضا شخصية الفلاح العربي الفلسطيني، انها لم تظهر في هذا الادب مطلقا، ولم يكن انكارها محض صدفة، كما كان التركيز على شخصية البدوي في ادب الاطفال، والسبب في انعدام شخصية الفلاح يعود إلى عكس اظهار شخصية البدوي. البدوي لا علاقة له بالارض، في حين يكون الفلاح ملتصقا بها، ويحبها ويحترمها ولا يضحي بها. الفلاحون الوحيدون الذين جاء ذكرهم في هذه القصص كانوا الفلاحين الذين يعملون في اراضي الاغنياء من العرب، والذين طردوا من الارض بعد ان اشتراها "الافندي اليهودي من الافندي العربي".

كما لم يأت ذكر أي شيء يتعلق بالحضارة الفلسطينية: الاعمال اليدوية الفلسطينية، او صناعات الصابون وعسر الزيتون او النشاط المعماري الذي اجتاح فلسطين، او المدن التي اقامها العرب او الفلسطينيون انفسهم. ان وجود مثل هذه العناصر تشير إلى وجود حضارة عربية، وبالتالي يشير إلى وجود شعب، ارادت الحركة الصهيونية ان تنفي وجوده.

لقد عملت الحركة الصهيونية منذ وجودها ضمن اطار تفكير ايديولوجي، وتنفيذ عملي، الامر الذي ادى بها إلى ما هي عليه الان. والذي وضعنا نحن في الجانب الاخر، حيث خسرنا كل شيء، من الثقة بانفسنا حتى الرأي العام العالمي، والذي يميل بثقله نحو "اسرائيل".

ولكن "اسرائيل" تعلم ان هذا الحبل ليس طويلا، واخذ بعض قادتها يصرح بذلك علنا. فعلى سبيل المثال، قال الوزير بلا وزارة في حكومة التجمع الوطني عازار وايزمان:



"انني اعتقد انه من اجل بقاء دولة "اسرائيل" ومن اجل الاجيال القادمة، فانه يجب علينا ان نجد السبيل الانساني والحضاري والحكيم، والذي يؤدي بنا للعيش مع مائة مليون عربي… ان مصير "اسرائيل" سيقرر بمدى مقدرتها على التعايش مع العالم العربي، واذا لم نجد هذه الطريقة، فان الوضع سيكون صعبا علينا… ان الكراهية العميقة هي نتيجة للخوف وعدم الثقة. ان من يثق بنفسه يجب ان لا يكره بهذه الطريقة. اذا لم نجد طريقة للحوار مع العرب "الاسرائيليين"، وبعد ذلك مع عرب المنطقة كلها، فاننا بذلك سنوجه الدولة كلها نحو كارثة كبيرة …"(30).







الهوامش:

1 - Edward Said: Orientalism (London: Routledge and Kegan Paul, 1978), and The Question of Palestine (London: Routledge and Kegan Paul,1980).

2 - يهودا غوروفيتش وشموئيل نافون، محرران، ماذا اقص على الطفل (تل ابيب: عاميت، 1953)، ص 128، 132، 134.

3 - اليعزر سمولي، اناس التكوين (تل ابيب: ماسادا، 1953)، ص 12.

4 - المصدر نفسه، ص 15.

5 - ايغال موزنسون، حصنبا في كمين عند الحدود (تل ابيب: سفري شليغن {د. ت} ص 87.

6 - اما لفين تلمي، يوريم في ابريل (مرحافيا: سفريت هبوعليم، 1954)، ص 102.

7 - سمولي، اناس التكوين، ص 24.

8 - ع. داني، استقلال "اسرائيل" (تل ابيب: نيف، 1958)، ص 13-14.

9 - بنيامين هليفي، اوري ورعنان (تل ابيب: يفنة، 1971)، ص 148.

10 - يوسي مرغريت، نار في الحرش (تل ابيب: مردخاي نويمان، 1959)

ص، 11-14.

11 - يهودا سلو، نار في الجبال (تل ابيب: عام عوفيد، 1971)، ص 41.

12 - المصدر نفسه، ص 42.

13 - احد هعام، الاعمال الكاملة (تل ابيب: دافير، 1965)، ص 23.

14 - باروخ نادل، ناطي ومغامرات الصخرة الحمراء (تل ابيب: م. مزراحي، 1974)، ص 97.

15 - سمولي، اناس التكوين، ص 142ـ 143.

16 - كاره فيدر، تعال نقيم سلاما (تل ابيب: ماسادا، 1964)، ص 50-51.

17 - مردخاي نوري، الشباب الجيدون يعودون (تل ابيب: معراخوت، 1974)، ص 87.

18 - مرغريت، نار في الحرش، ص 18.

19 - يميما تشرنوفيتش، واحد منا (تل ابيب: طبارسكي،1960) ص 127-128.

20 - نادل، ناطي ومغامرات الصخرة الحمراء، ص 96.

21 - داني، استقلال "اسرائيل"، ص 95.

22 - بني ماتيف، الزارعون في الصحراء (مرحافيا: سفريت هبوعليم،1972)، ص 73.

23 - ارييل اوفيق، سبعة طواحين وطاحونة (تل ابيب: يهوشع تشاتشيك، 1969)، ص 90.

24 - داني، استقلال "اسرائيل"، ص 92.

25 - اليعزر سمولي، ابناء الشتاء الاول، ص 127.

26 - افنير كرميلي، الدورية الخاصة مطوقة (تل ابيب: م. مزراحي، 1973) ،

ص 68.

27 - ارييل اوفيق، المظليون قادمون (تل ابيب: سفريت عفار، 1969)، ص 62.

28 - ارييل اوفيق، دخان يغطي الجولان (تل ابيب: م. مزراحي،1974)، ص 7.

29 - جليلة رون ـ بدر، الثلاثة الذين لم يتركوا (تل ابيب: مالو، 1974)، ص 8.

30 - نقلا عن : معاريف ("اسرائيل")، 10/2/1985.