Make your own free website on Tripod.com

أدب الأطفال المحوسب - د. طه مصالحة و د. نجيب نبواني   

الكلية العربية للتربية

 

المقدمة

إن أدب الأطفال من الفنون الحديثة في الأدب العربي، وتؤرخ بدايته في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وإن كانت له جذور في التراث الشعبي، ومن أبرز الذين حاولوا تقديم أدب للأطفال في هذه الحقبة الشاعر أحمد شوقي الذي دعى إلى قيام أدب أطفال مستقل عن أدب الكبار. ويمكن القول أن أدب الأطفال منذ الثلاثينات بدأ يخطو خطواته الثابتة والواسعة، إذ برز جيل حاول أن يوسس فن أدب الأطفال حسب النظريات التربوية والأدبية الحديثة. أبرز روّاد هذا الجيل كامل كيلاني، محمد عطية الأبراشي، محمد برانق، محمد سعيد العريان. تميّزت كتابات هذه المرجلة بالإعتماد على الترجمة أو التراث، وظل فن أدب الأطفال العربي يتطوّر باحثا عن أصالته وهو يخوض مرحلة التجريب والتجديد[1].

 

من جهة أخرى، نظر العالم العربي إلى الطفل، حتى النصف الأول من القرن الماضي، نظرة محدودة الأبعاد، حملت بين ثناياها "صِغَر الطفل الظاهر - العقلي والجسمي". إذا دلّ هذا الأمر على شيء فإنه يدل على  قوقعة تفكير "الكبير" ونظرته إلى الصغير. هكذا، تكون قد ساعدت هذه البيئة التفكيرية، على تجاهل أهمية الصغير وانتقاص في مكانة كاتب أدب الصغار، لذا كان أدب الأطفال في وسطنا "صغيرا".  في حين أن أوربا نظرت إلى الطفل، في تلك الفترة، كأنه "كبير" ومع هذه النظرة كان أدب الأطفال "كبيرا" وكاتب أدب الأطفال محترما. لذا، فقد تأخر نهوض أدب الأطفال في الوسط العربي والشرقي. الدارس لأدب  الأطفال يجد أن هذا النوع من الأدب أخذ ينهض في العالم العربي ، فقط، في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد أن اخترقت البيئة التفكيرية بعض الحواجز الوهمية التي أحاطت بها.

 

لقد أثرت حرب حزيران 1967 على المناخ الثقافي في العالم العربي، وانعكس ذلك في المشاهد الأدبية، وكان من الطبيعي أن يمسّ أدب الأطفال، إذ بدأ الإهتمام في العالم العربي بالطفولة ومظاهرها الثقافية. كان هذا التوجه الجديد لصالح أدب الأطفال الذي بدأ يخطو خطوات سريعة في الأدب العربي وبدأ يشكّل ملامحه، ومنذ السبعينات بدأت تعقد المؤتمرات العلمية من أجل النهوض بالطفل وأدبه.

 

تطوّر تقنيات أدب الأطفال

شهد العالم المتحضر، في العقدين السابقين، نهضة علمية رفيعة المستوى وثورات تكنولوجية عديدة واضحة للعيان، منها: ثورة الجودة العالية في الثمانينات، ثورة التجديدات الهندسية في التسعينات،  وآخرها ثورة السرعة الفائقة[2]، التي نعيش الآن في خضمها. لقد تركت الثورات، آنفة الذكر، بصماتها على نهج وحياة كل من عايشها من قريب أو بعيد، وبما في ذلك أدب الأطفال وأدبائه. لقد تركت الثورات العلمية – التكنولوجية التي مرّت بها الحضارة الإنسانية مؤخرا، أثرا بارزا على أدب الأطفال، كما سنرى لاحقا.

 

اعتمد أدب الأطفال، غالبا، على القصص الأسطورية التي تدور وقائعها  في الساحة القريبة من البيئة التي يعيش بها الطفل. أما  أبطال القصص فهم  لفيف من الأطفال تربط بينهم  الحيوانات الأليفة والمتوحشة، ويلعب كبار السن دور الوسيط والمنقذ. أما إخراج قصة الأطفال، من ناحية الشكل، فقد تطوّر  كثيرا، وأصبحنا نجد قصصا ذات جودة عالية من حيث المضمون ومن حيث النقش الفني والإخراج الشكلي النهائي أيضا؛ كالكتب التي أصدرها مركز أدب الأطفال في الكلية العربية للتربية في حيفا[3].

 

في الماضي، غير البعيد، استمتعنا كثيرا بسماع حكايات جدتي وقصص عمتي، خاصة حول كانون أيام البرد القارس لقضاء ساعات الشتاء الطوال؛ واتخذت قصص الأطفال "قل قصص الكبـار" آنذك، أشكالا جمالية مختلفة[4]، وفقا لبراعة السارد ومقدرته في تمثيل المواقف الحرجة – الحساسة التي يمر بها أبطال القصص، وفي كيفية تشويق المستمع لمتابعة أحداث الحكاية؛  منها على سبيل المثال، حكاية: الزير، عنتر، الشاطر حسن، أبو زيد الهلالي وأبو الحصيني[5].

 

افتقرت مكتبة الأطفال، في الخمسينات والستينات، إلى الكتب عامة وكتب أدب الأطفال خاصة. حيث انعكس أدب الأطفال، شعرا ونثرا،  في كتب القراءة المدرسية الإلزامية، مثل: كتاب "سنابل من حقول الأدب"، كتاب "نزهة القارئ"، كتاب "المنهل"، كتاب "البستان"، كتاب "النصوص الأدبية"، كتاب "الفصول المختارة" وكتاب "الجديد" لخليل السكاكيني. أما كتب أدب الأطفال غير المنهجية التي توفّرت في تلك الفترة، كانت قصص عطية الأبراشي وكامل الكيلاني، ونذكر منها: "حي بن يقظان"، "الأرنب والصياد"، "عجائب الدنيا الثلاث"، "جحا" وغيرها؛ إضافة إليها وصلنا بعض الكتب المترجمة، منها: "روبنسون كروزو"، "يوليوس قيصر"، "تاجر البندقية"، "الملك لير"  و"النحلة العاملة".

 

 

 

 

شكل – 1: يعبّر هذا التخطيط الكيفي عن مدى تغلغل التقنيات التكنولوجية – العلمية إلى الحياة الشعبية خلال النصف الثاني من القرن الأخير.

 يمثّل الخط – 1: نسبة اعتماد السرد في الحكايات الشعبية ومن ضمنها أدب الأطفال مع مرور الزمن.

 يمثّل الخط – 2: نسبة اعتماد سرد الحكايات الشعبية ومن ضمنها أدب الأطفال عبر المذياع.

 يمثّل الخط – 3: نسبة اعتماد أفلام الصور المتحركة ومسلسلات التمثيليات الشعبية، من ضمنها أدب الأطفال، عبر شاشة التلفزيون.

 يمثّل الخط – 4: نسبة اعتماد برمجيات الأطفال المحوسبة الشعبية، من ضمنها أدب الأطفال، على شاشة الحاسوب.

 يمثّل الخط – 5: توقعاتنا عن نسبة انتشار برمجيات الأطفال المحوسبة الشعبية والأفلام المتحركة، على شاشة الحاسوب عبر شبكة الإنترنيت.

 

نرى في الشكل – 1، رسما بيانيا يمثّل بصورة كيفية فقط، النشاط الأدبي خلال  الفترة الزمنية التي ترعرعت خلالها حكايات سرد روايات أدب الأطفال (الخط البياني 1 في الشكل – 1). يتضح من هذا الرسم البياني أن هذا النمط من أدب الأطفال قد وصل ذروته في بداية الستينات.

 

 

أدب الأطفال على الأمواج الإلكترومغناطيسية[6]

إن البحث في تطوّر أدب الأطفال في تلك الحقبة الزمنية، يلقي الضوء على البيئة الاجتماعية – الأدبية - العلمية التي ترعرع فيها أطفال ذلك العصر، تماما كما يعكس أدب الأطفال في هذا العصر البيئة التقنية الجديدة التي يترعرع بين أحضانها أطفال اليوم!

 

إن سرد الحكايـــات الشعبية للأطفال اتخذ أشكالا جديدة مع تطوّر التكنولوجيا، وسرعان ما اتخذ المذياع موقعا رفيعا لسرد الحكايات عامة وحكايات الأطفال خاصة، ذلك من خلال "برامج الأطفال" عبر محطات الإذاعة المختلفة (الخط البياني 2 في الشكل – 1). وتُعتبر فترة الستينات، (عصر "راديو السعادة")، بداية التغييّر الملحوظ في نقل أدب الأطفال إلى شريحة واسعة من أطفالنا، ووصل التغيير ذروته في بداية الثمانينات، مع أن ذلك التغيير لم يكن مدروسا دراسة علمية جديرة بالذكر في بداية الأمر.

 

إن القفزة النوعية في أدب الأطفال حدثت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، بعد أن اكتسح التلفزيون جميع العوائق ودخل معظم البيوت. لقد لعبت القصص الشعبية  التلفزيونية المتحركة، في العقدين الأخيرين، دورا هاما في حياة الكثيرين من الأطفال "ومن الكبار" على حد سواء، في مختلف دول العالم. كان للمسلسلات التلفزيونية الأثر الكبير في بداية نهاية عملية سرد القصة الشعبية وفي انهيار فكرة الحكواتي المذاع عبر المذياع (الخط البياني 3 في الشكل – 1). ذلك، لأن الأبعاد التي أضافها التلفزيون على قصة الأطفال من ديناميكية ومناظر خلابة واخراج جيد ساعد كثيرا في نشر أفلام الصور المتحركة، أضف إلى ذلك "عزوف الأولاد عن القراءة عامة" إذ أنهم لم يقاوموا سحر الأفلام التلفزيونية؛ علما بوجود أراء مغايرة لهذا الرأي والتي تؤكد أن الأدب الجيد المنقول عَبرَ شاشات التلفزيون قد شجّع الصغار والكبار على البحث عن الكتب وقراءتها[7].

 

نستنج مما تقدم، أن أدب الأطفال قد مرّ، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، بأربع فترات رئيسية، هي:

1.     فترة السرد – وصلت ذُروتها في بداية الستينات

2.     فترة الحكواتي المذاع - وصلت ذُروتها في منتصف السبعينات

3.     فترة الصور المتحركة - وصلت ذُروتها في بداية التسعينات

4.     فترة البرمجيات المحوسبة  - وصلت ذُروتها في نهاية التسعينات

 

ونشهد، في هذه الفترة – فترة السرعة الفائقة وفقا لبيل جيتس، عهد البرمجيات المحوسبة عبر شبكة الإنترنيت، من كل "كاتب ومعلِّم" لكل "صغير وكبير متعلم"  وذلك بأي "مكان"  وعبر أي "زمان".

 

 
 


شكل – 2:  برمجية محوسبة يعيشها طفل اليوم، ما زالت حتى الآن في اللغة الإنجليزية!

 

 

طفل اليوم والبرمجيات المحوسبة

يعيش طفل اليوم الطفرة العلمية التكنولوجية المحوسبة، ذات الديناميكية  السريعة في التطوّر. معظم الكبار  يتعقبون أثر هذه الثورة العلمية عن كثب، وأحيانا أخرى يبتعدون عنها، في حين أن طفل اليوم لا يستمتع بالإنجازات التي حققتها الحضارة البشرية في العقدين الأخيرين فقط، بل ينافس الكبار في استعمالاتها والاستفادة منها واستثمار  الطاقات المخزونة بها لتطوير النهج وصقل الفكر وبلورة الطريق في جميع المجالات، وبنفس الوقت "يسخر" من مهابة الكبير لها، وعدم بذل الجهد الكافي للتمكن من بعض طاقاتها .

 

تضع شركات البرمجة المحوسبة،  بين يدي طفل اليوم برمجيات محوسبة متطوّرة  التصاميم، جذابة  التعامل، شيقة التفعيل، متعددة  الآليات، تمتاز بأنها:

1.     دمجت بين مهارات اللعب وبين تسلسل أحداث القصة

2.     جعلت الطالب يتحكم بأحداثها، من خلال شق الطريق المحاط بالمخاطر والمفاجأت

3.     تركت دراماتيكية الأحداث وديناميكيتها رهن مهارة المستعمل لها 

4.     طوّرت أساليب التخطيط الإستراتيجي لاجتياز العقبات وحسم المواقف

5.     بلورت النهج الفكري وساعدت على لمعان التفاصيل وإضاءة الطريق.

 
 


شكل – 3:  برمجية محوسبة تشمل على قصة، يخوض غمارها طفل اليوم في اللغة الإنجليزية!

 

هذه الأمور خَطَت بفكر أطفال اليوم، المتمتعين بهذه البرمجيات، خطوات سريعة لمنافسة الكبار تكنولوجيا وأحيانا فكريا! أما حكمة الكبير ورزانة مواقفه فما زالت غير متوفرة المنال لديهم!

  

حوسبة أدب الطفل

هناك حاجة ماسة لاستعمال الآليات التكنولوجية المحوسبة واستغلال الطاقة الهائلة الكامنة بها، والتي فرضتها علينا النهضة العلمية المباركة، وذلك لتحريك أدب الأطفال وحوسبته وجعله ديناميكيا ناطقا. وإذا حررنا القصة من صفحات الكتيبات وتركناها تنطلق بين صفحات الحاسوب واستثمرنا بعض طاقات الحاسوب في برمجة أدب متحرك ناطق للأطفال. هكذا، نضع بين يدي أطفالنا  أدب الأطفال وآليات العصر المتطوّرة، التي تشمل: النقش الفني ثلاثي الأبعاد، الحركة في ثلاث أبعاد (على امتداد ثلاثة محاور بالاضافة لمحور الزمان)،  الصوت بنغماته والكلمة بحروفها ومقاطعها.

 

 

 
 


شكل – 4:  برمجية محوسبة يرقِّص بها طفل اليوم حيوانات الأمس!

 

ستساعد هذه الآليات التكنولوجية المتطوّرة في نشر أدب الأطفال وتطوير الوعي القرائي لدى الصغار والكبار. والأهم من ذلك، إثراء نشأة الطفل، بلورة نمو عقله، تطوّر  طرق تفكيره واستعداده للمستقبل معزز  بالعلم النافع والتكنولوجيا الدافعة.

 

 

 

الخلاصة

إننا نعتقد أنه حان الوقت لتحرير الكتاب (ومعه الأدب) من مفهومه المحدود، وتركه يتنزه بين الصفحات التكنولوجية العصرية المحوسبة؛ وحان الوقت لاستثمار الإنجازات العلمية والتكنولوجية المتطوّرة لإخراج أدب الأطفال من البوتقة التقليدية التي تحصره، خاصة وأن أطفال اليوم يستغلون هذه الطاقات في مختلف الألعاب، ويعيشون بين ثناياها أمام التلفاز  (الصور المتحركة على مختلف أشكالها وألوانها). وإن مواكبة أدب الأطفال لأدبهم بكل أجناسه الأدبية من خلال الوسائل التنولوجية لا يعتبر تراجعا في العلاقة بين الطفل والأدب، وإنما ضرورة تفرضها روح العصر الإلكترونية، وتتمثل في تقديم وسائط إلكترونية جديدة لأدب الأطفال.

 



[1] . للتوسع في أدب الأطفال العربي والعالمي، أنظر:

-          يوسف، عبد التواب. 1985. "كتب الأطفال في عالمنا المعاصر"، القاهرة: دار الكتب المصرية.

-          الحديدي، على. 1991. "في أدب الأطفال"، القاهرة، مكتبة الأنجلو.

1.        Bill Gates, “Business @ The Speed of Thought – Using a digital nervous system”, Warner Books, Inc., N.Y. (1999).

2.     مثلا: قصة دالية كورح "الذبابة الحزينة"، تعريب د. نجيب نبواني، اصدار مركز أدب الأطفال، الكلية العربية للتربية (2000).

3.      العنتيل، فوزي. 1983. "عالم الحكاية الشعبية"، الرياض، دار المريخ للطباعة والنشر.

4.     نعتقد أن هذه هي الحكايات الشعبية التي كانت منتشرة لدى سكان هذه الديار في تلك الحقبة الزمنية. أنظر كذلك:

-   سرحان، نمر. 1974. "الحكاية الشعبية الفلسطينية"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

 

6. Massalha, T., “The Position of Physics in Kindergarten”; The Second Inter. Conf., Teacher Edu.: Stability, Evolution and Revolution”, (B), 905, (1996).

 

7. محمود أبو فنه وخالد عزايزة، "آفاق جديدة: دراسات وأبحاث في أدب الأطفال، المناهج والأساليب"، ص 151، "التلفزيون وتأثيره على القراءة لدى الأطفال"، الناصرة 1996.