المضمون والقيم في أدب الأطفال المحلي - د. محمود أبو فنة

تمهيد:

 

   قبل التطرق المباشر لموضوع المضمون والقيم في أدب الأطفال المحلي بودي تسجيل الملحوظات التالية:

    1 . رغم تأخر ظهور أدب الأطفال المحلي ولإسباب مختلفة، إلاّ أن ما صدر منه حتى يومنا يعتبر كثيراً - نسبياً -فهناك أكثر من 70

        كاتباً كتبوا أو ترجموا كتباً للأطفال.

   2 . أدب الأطفال المحلي فيه الأصيل الذي كتبه أدباء محليون وفيه المترجم أو المقتبس عن الآداب الأخرى ،وبصورة خاصة عن أدب

       الأطفال العبري.

  3 . قسم من الإنتاج المحلي للأطفال يمكن أن يكون ملائماً وموجهاً للمتلقين البالغين الكبار.

 

   ونظراً لهذه الحقائق والخصائص سيقتصر هذا المقال على إظهار الملامح العامة والبارزة المتعلقة بالمضمون والقيم في أدبنا المحلي للأطفال، وهناك حاجة لدراسات شاملة تستقرىء النصوص الأصيلة والمترجمة جميعها محاولة الوقوف على أبعادها المتعددة من حيث المضمون والقيم ومن حيث الشكل والنواحي الفنية الأخرى.

 

أدب الأطفال هو أولاً وقبل كل شيء أدب وفن

    أدب الأطفال الجيد لا يقتصر على المضمون والقيم - مهما كانت جدية وسامية - بل هو كذلك يتمثل بالشكل من لغة وأسلوب وخيال وعناصر فنية مختلفة حسب اللون الأدبي، لهذا يمكن اعتبار المضمون والشكل عنصرين متلاحمين يصعب الفصل بينهما.

   وفي هذا السياق كتب الأديب والباحث المصري أحمد نجيب:" من الضروري أن تتأكد أهمية " التكامل" بين الشكل والمضمون، بحيث لا يتم كل منهما بمعزل عن الآخر بأي حال من ألأحوال، وإنما يجب أن تربط بينهما معايير أدب الأطفال السليم." (نجيب 77 ).

 

   وهذا التلائم أو التكامل بين الشكل والمضمون يجب أن يتوفر في أدب الأطفال وفي أدب الكبار على السواء ، ولكن أدب الأطفال يتميز كذلك بضرورة مراعاة جمهور الأطفال الذي يختلف عن جمهور الكبار في المستوى العقلي والنفسي واللغوي. ولهذا السبب يشكل أدب الأطفال ظاهرة مركبة ترجع للإزدواجية الكامنة فيه فهو - أي أدب الأطفال - حريص على توفر البعد الفني الأدبي من جهة، وعلى البعد التربوي - النفسي من جهة أخرى. وعن هذه الإشكالية تحدث أديب الأطفال السوري عزيز نصار واصفاً تجربته حيث قال: " حاولت إقامة التوازن بين العملية الإبداعية والعملية التربوية ، فهما جناحان ، إذا افتقدنا أحدهما هوى الأدب الطفلي، فلا يغني جناح عن آخر." (نصار 192).

 

   إذن لا بد من توفر المعايير الفنية الجمالية في أدب الأطفال مهما كانت المضامين والقيم رفيعة وهامّة فأدب الأطفال في الأساس فن وإبداع. وهذه شهادة أخرى لأديب الأطفال والباحث في أدب الأطفال عبد التواب يوسف حيث يقول: " إن كتب الأطفال يجب أن تتحول إلى نوع من الفن الخالص. ورغم أنني رجل تربية في الأساس، إلا أن إخلاصي للفن يحتم علي أن أقف ضد تحويل كتب الأطفال إلى منابر للوعظ والإرشاد. " (يوسف - 1992 ).

 

أهمية المضمون والقيم في أدب الأطفال    

    

   يشارك في عملية تنشئة الطفل عدة أطراف أو وسطاء : الأسرة، الجيران ، جماعة الأقران ، المدرسة، أماكن العبادة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة.

  

   ويحتل الأدب مكانة بارزة في عملية تنشئة الأطفال، فهو يستطيع: " ان يلبي احتياجاتهم النفسية ، ويسهم في إشباع اهتماماتهم العقلية، ويربي أذواقهم، ويصقل مشاعرهم وإحساساتهم، ويمكنهم من التصدي للحياة ومتغيراتها بإيجابية ووعي. " (أبو الرضا 7 ).

وهناك من يغالي في أهمية أدب الأطفال ودوره في تكوين شخصية الطفل وبلورة إتجاهاته السوية ويستشهد بعبارة الشاعر البلغاري ران بوسيليك الذي قال في هذا الصدد: "الأدب للأطفال كحليب الأم والهواء النقي اللذين لا بد من توافرهما." (كنعان 192 ).

 

   وعن أهمية كتاب الأطفال قال الكاتب الفرنسي فرنسيس فيدال: " إن كتّاب الأطفال يمكن أن يغيروا ذوق العالم - بل العالم نفسه".  (الشماس 30 )

  ويتضاعف تأثير الأدب في الأطفال بسبب حساسيتهم وقابليتهم الشديدة ولأن الأدب الجيد يعتمد على الأسلوب غير المباشر وعلى الإيحاء. فعن طريق النموذج والقدوة والتقليد وعن طريق التوحد والتماهي يُذوت الأطفال القيم ويمتصونها بحيث تسهم في تكوين شخصياتهم وإتجاهاتهم في المستقبل.

 

أنواع المضامين والقيم في أدب الأطفال  

 

   تتنوع وتتعدد المضامين والقيم في أدب الأطفال، وهي لا تقتصر على النص / الكلمات بل يمكن أن تظهر كذلك في الرسومات والصور والألوان. ونستطيع أن نصنف القيم في خمس مجموعات:

مجموعة القيم الذاتية

مجموعة القيم الإجتماعية

مجموعة القيم الوطنية / القومية

مجموعة القيم الإنسانية

مجموعة القيم المعرفية/النظرية

 

   ويلاحظ أن هذه القيم تندرج من الخاص إلى العام، أو من الدائرة الذاتية الشخصية إلى الدائرة الإنسانية العامة.

   القيم الذاتية ترتبط بالفرد ذاته، جسمياً وعقلياً ونفسياً ومن بين القيم الذاتية نذكر: الصحة والمظهر والنشاط، الصدق، حسن

                  التكيف، التفاؤل، الطموح، المثابرة، الثقة بالنفس، الصراحة وغير ذلك.  

القيم الإجتماعية: تتعلق بالصفات التي يتحلى بها أفراد المجتمع في علاقاتهم وتعاملهم مع بعضهم البعض. ومن بين هذه القيم نذكر :

               محبة الأهل والآخرين، احترام الغير، تقديم العون والمساعدة، التعاون، العطاء، الصداقة، التسامح، تقدير العمل وغير ذلك.

القيم الوطنية/ القومية ترتبط بانتماء الأفراد لشعبهم ووطنهم ولتراثهم ومن بين تلك القيم نذكر: محبة الوطن، الإعتزاز بالشعب

                        والتراث، الإستعداد للتضحية... وغير ذلك.

القيم الإنسانية: ترتبط بالإنسان كإنسان وتصلح للجميع ولا تتقيد بزمان أو مكان معينين. من هذه القيم نذكر: الحرية، العدل،

                   المساواة، رفض التعصب والتمييز، الدعوة للسلم والتعايش، الرفق بالضعفاء، المحافظة على الطبيعة وغير ذلك.

القيم المعرفية/ النظرية: تتعلق بالإيمان بالعلم ودوره في تحقيق التقدم والرفاهية. من بين هذه القيم نذكر: حبّ المعرفة وطلب العلم، الجد

                          والمباثرة، حب الإستطلاع، الميل للمطالعة، الإبداع والإبتكار وغير ذلك. 

 

   ومن الجدير بالذكر أن القيم قد تكون متقاربة ومتداخلة فيصعب تمييز القيم الإجتماعية عن الإنسانية.

 

 

مراحل في الأدب المحلّي للأطفال وأبرز الملامح المتعلقة بالمضمون والقيم فيها

 

يمكن أن نتحدث عن ثلاث مراحل رئيسية في مسيرة الأدب المحلّي وهي:

 

المرحلة الأولى:    

 

   تمتد هذه المرحلة منذ عام 1948 وحتى منتصف الستينات تقريباً وتمتاز بقلة ما صدر من كتب ومؤلفات للأطفال ، وتعتبر الكتب الخمسة عشر التي أصدرها كل من محمود عباسي وجمال قعوار أهم ما صدر للأطفال في هذه المرحلة.

 

   أما أبرز ملامح هذا الإنتاج المشترك للأديبين محمود عباسي وجمال قعوار من حيث المضمون والقيم فهي:

   1 - العودة  إلى التراث العربي والإسلامي كمصدر أساسي في كتابتهما  للأطفال _فهناك سبعة كتب استقت مضامينها

       وموضوعاتها من هذا التراث.

2 -   التوجه إلى عالم الحكايات الشعبية والأساطير العربية والعالمية كمصدر لستة كتب.

3 -   الرجوع إلى الواقع المحلي والشعبي كمصدر لكتابين فقط.

4 -   القيم والمضامين الغالبة في كتب عباسي وقعوار كانت القيم الإنسانية والإجتماعية والمعرفية.

 

   فعندهم قصص التراث تشتمل على عناصر التسلية والتربية والتثقيف والفائدة والإقتداء الطيب. وقصص الشعوب وأساطيرهم الشعبية تساعد القارىء في التعرف على الشعوب الأخرى وتغرس فيه القيم المرغوبة كحب الخير والسلام والتآخي وغير ذلك.

 

المرحلة الثانية:   

 

 تمتد هذه المرحلة حتى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات .

 من أبرز أدباء هذه المرحلة: سليم خوري، مصطفى مرار، عبد الله عيشان، سامي الطيبي، عبد اللطيف ناصر ، فاطمة دياب...

 أما أبرز ملامح أدب الأطفال المحلي في هذه المرحلة من حيث المضمون والقيم:

 1 - التحول إلى الواقع الإجتماعي المعيش كمصدر لموضوعات ومضامين أدب الأطفال المحلي خاصة عند كل من سليم خوري

      ومصطفى مرار  وعبد اللطيف ناصر.

 

 ينظر: محمود أبو فنة  - أدب الأطفال باللغة العربية في إسرائيل. مجلة: مواقف . كانون ثاني وشباط 1993  ص 63 - 72  .   

   وكذلك: هم له ًن - ٌّهْ نىمي لٍّلْ - لّى

                                           ٌّهْ ىمي هًهٍّ  - ٌلّ 1992 ٍ' 21 - 27

2 - إستمرار التوجه للحكايات الشعبية وللتراث عند البعض مثل: عبد اللة عيشان، سامي الطيبي.

3 - تأكيد القيم الإجتماعية والإنسانية والذاتية في أدب الأطفال المحلي.من هذه القيم برزت القيم التالية: التسامح والعفو، محبة الآخرين  

    ومساعدتهم، العلاقات الأسرية الحميمة، تحكيم العقل والإبتعاد عن الغيبيات، التآخي والتعاون، احترام العاملين، الصدق ، الأمانة،

    المبادرة، حب العلم والمثابرة في طلبه وغير ذلك.

4 - كان حظ القيم الوطنية/ القومية في أدب الأطفال المحلي في هذه المرحلة محدودا جداً باستثناء مؤلفات عبد اللطيف ناصر الذي تطرق فيها للقضايا القومية والسياسية والإجتماعية.

 

المرحلة الثالثة

 

   تمتد هذه المرحلة من بداية التسعينات وتستمر حتى يومنا. وفيها نلمس "انتعاشا وتضخماً" في أدب الأطفال المحلي بنوعيه الأصيل والمترجم. وقد ساهم مركز أدب الأطفال العربي الذي تأسس عام 1995 في هذه "الهبة".

  من أبرز ملامح أدب الأطفال المحلي في هذه المرحلة من حيث المضمون والقيم:

1 - التوجه لعالم الطفولة والأطفال كمصدر تدور حوله مؤلفات الأطفال ؛ فقد تطرق الأدباء في إنتاجهم لتجارب الأطفال وعبروا

     عن مشاعرهم وأحاسيسهم الصادقة ، وقد انعكس ذلك بصورة جلية في الأشعار الموجهة للأطفال .

2 - ظهور أعمال أدبية جديدة تطرقت للقضايا الوطنية/القومية خاصة في الإنتاج القصصي الأخير عند بعض الأدباء المحليين.

3 - إستقاء موضوعات مستمدة من الواقع المحلي المعيش مع ذكر الأماكن والأحداث من البيئة المحلية.

4 - بروز قيم جديدة تنتمي إلى ثقافة الإبداع نحو: تأكيد المبادرة، الثقة بالنفس والبحث عن الحلول المناسبة، الثورة على الإنماط

     التقليدية في التفكير والسلوك .. وغير ذلك.

5 - التوجه في الكتابة لمرحلة الطفولة المبكرة، مرحلة ما قبل المدرسة، واختيار الموضوعات والمضامين التي تلائم هذه الشريحة العمرية

     والسعي لامتاع الطفل وتسليته إلى جانب الإثراء والفائدة. 

 

 

المراجع:

 

1 -  أبو الرضا 1990

                        سعد أبو الرضا. النص الأدبي للأطفال أهدافه ومصادره وسماته.منشأة المعارف. الإسكندرية 1990

2 - أبو فنة 1992

                       هم له -ًن  ٌّهْ نىمي لٍّلْ لّى.

                     هًي هههي ىىي. ٌّهْ ىمي هًهٍّ. ّهىي ٌلّ 1992

3 - أبو فنة 1993

                        محمود أبو فنة. أدب الأطفال باللغة العربية في إسرائيل. مجلة  "مواقف" كانون الثاني وشباط 1993.الناصرة

4 - الشماس 1996

                       عيسى الشماس. القصة الطفلية في سورية. دراسة تحليلية للقيم التربوية. منشورات وزارة الثقافة. دمشق 1996

5 - كنعان 1995

                      أحمد كنعان. أدب الأطفال والقيم التربوية. دار الفكر. دمشق ط1 1995

6 - نجيب 1982

                      أحمد نجيب. فن الكتابة للأطفال ط5 مصر 1982

7 - نصار 1988

                     عزيز نصار. تجربة وأفكار أخرى مجلة الموقف الأدبي العدد 210-208 دمشق 1988

8 - يوسف 1992

                      مقابلة مع عبد التواب يوسف أجراها محمد قنديل  مجلة: العربي ، أكتوبر 1992